فرج احمودة
من المتعارف قانونا أن أطراف الجريمة ليسو هم ذاتهم أطراف الدعوى الجنائية. فالجريمة تتكون من ثلاثة أشخاص هم الجاني والمجني عليه والضحية. الجاني هو من يقترف بسلوكه الإيجابي أو السلبي الفعل محل التجريم. المجني عليه هو من يقع عليه هذا الفعل، سواء لحقه من ذلك ضرر أم لا. أما الضحية فهو الشخص الذي تأذى بسبب الجريمة، يستوي أن تجتمع فيه صفة المجني عليه لا (كما شأن جريمة القتل التي تستوعب في ضحاياها أشخاصا آخرين غير المجني عليه كالأبناء والزوج والوالدين...الخ). تقابل هذه التركيبة الثلاثية لأطراف الجريمة تركيبة أخرى ثنائية لأطراف الدعوى الجنائئية تقتصر على الجاني والدولة ممثلة في جهاز النيابة العامة. المجني عليه والضحية لا يعتبران بأي حال أطرافا في هذه الدعوى، فليس بإمكانهما التدخل فيها إلا بوجه إستثنائي لا علاقة له بتوجيه إجراءاتها أو التصرف فيها. دورهما يقتصر على مجرد تقديم البلاغ عن الجريمة التي وقعت عليهم والإدلاء بالشهادة أما المحقق أو القاضي ثم طلب التعويض بالإدعاء المباشر أو بالدعوى التبعية إذا توافرت شروطهما. هذا الإستبعاد للمجني عليه والضحية متأتي أساسا من وظيفة الدعوى الجنائية التي تتجاوز بكثير فكرة إنصاف هؤلاء إلى إفكار أخرى تنطلق من حماية النظام العام في المجتمع وإصلاح الجاني. فلسفة القانون الجنائي لم تتخطى فحسب ظاهرة الأخذ بالثأر التي كانت سائدة لدى المجتمعات البدائية القديمة وإنما دخلت مرحلة أكثر عمقا تتمثل في إصلاح الجاني الذي يعد في نظرها شخصا يعاني من عجز عن التكيف مع السلوك الإجتماعي المنضبط القادر على توجيه نفسه بما ينسجم والقانون. هذا التطور النوعي لم يأتي وليد الصدفة وإنما أخذ براحا من الزمن متعاصرا مع تطور النظم والقوانين الأخرى ذات العلاقة بالدولة وبحقوق الإنسان. المجرمون أصبحوا اليوم شريحة إجتماعية خاصة تتجاوز إهتمامات قانون العقوبات لتدخل مجالات أخرى أكثر شمولية وأشد إلزام. عديد المواثيق الدولية التي تسهر على إنفاذها منظمات ومحاكم دولية حكومية وغير حكومية تولي اليوم جل إهتماماتها لأوضاع السجون وظروف المعتقلين دون أن يعنيها بشيء مركز المجني عليه أو الضحية. دساتير الدول الحديثة تخصص بنودا كثيرة تنص على ضمانات جوهرية للمتهمين أثناء التحقيق والمحاكمة وتنفيذ العقوبة. إن هذا الإهتمام المشترك بشخص الجاني وظروفة متأت في الواقع من عدة إعتبارات إنسانية وأخلاقية وإجتماعية وسياسية.
فمن ناحية إنسانية تجاوزت المجتمعات الحديثة جل ما كان سائدا في الماضي متمثلا في النظرة الدونية للجاني وإعتباره شخصا ضارا ينبغي التخلص منه. الجريمة تشكل اليوم ظاهرة طبيعية يمكن لأي كان أن يقع فيها نتيجة لكثرة النصوص العقابية من ناحية ولما قد يعترض حياة الإنسان من مئاس ومختنقات إجتماعية تنعكس سلبا على وضعه النفسي ومن ثم على سلوكه في المجتمع من ناحية أخرى.
من الناحية الأخلاقية، معاملة الجناة بما ينسجم مع حقيقة كونهم بشر يتأتى من حالة الضعف والتجرد من الإرادة والقدرة المادية على الدفاع عن أنفسهم، وأيضا من هيبة الدولة وإحترامها اللذان لا يتناسبا مع إمتهانها لرعاياها. التزام هذه الأخيرة بإحترام آدمية من هم تحت سيطرتها يفرضه عليها مركزها القانوني والسياسي كعضو في حضيرة دولية. فكما أن المجرم فرض عليه الوضع الذي هو فيه نتيجة خطئه في حق مجتمعه فكذلك الدولة مطالبة بأن تستحضر كعضو في أسرة دولية هذه النتيجة لتتفادى تبعات مماثلة.
الإهتمام بشريحة الجناة تبرره كذلك وظيفة القانون الجنائي بشقيه العقابي والإجرائي التي تكمن في أمرين رئيسيين : إصلاح الجاني والحفاظ على الأمن العام. فمن ناحية أولى مقترف الجريمة بما خضع له من ظروف نفسية غير طبيعية ناجمة عن الإنفعال أو التربية أو الحاجة أو التضليل أو المرض...يستحق قدرا أدنى من المعاملة الإنسانية طيلة إجراءات المحاكمة وقضاء العقوبة. المحقق لا يمارس في الواقع سلطات على المتهم وإنما إختصاصات محددة موضوعا ومضبوطة شكلا على نحو دقيق بموجب قانون الإجراءات الجنائية. ينبغي عليه أن يتعامل معه بكلمات هادئة بعيدة عن كل توبيخ أو ترهيب أو ترغيب، وهو في ذلك مراقب بصرامة من جانب القضاء بحيث أن أي خطأ يرتكبه ينجم عنه البطلان الذي قد يؤدي إلى براءة المتهم رغم رجحان الجريمة في حقه. المحامي المرخص له بالترافع لدى الجهة التي يمثل أمامها المتهم قد يتجاوز وجوده مجرد كونه حقا لهذا لأخير إلى واجب عليه وعلى المحكمة يترتب على الإخلال به بطلان إجراءات المحاكمة، لا سيما في الجرائم الموصوفة بالجنايات. الأشخاص الذين يتعاملون مع الجاني يخضعون بدورهم لإشتراطات قانونية غاية في الدقة، بدءا بمأمور الضبط القضائي الذي ينبغي تمتعه بهذه الصفة الممنوحة بناء على مواصفات فنية تتعلق بالتأهيل والخبرة. هذا الشخص لا يمارس صلاحياته في التحقيق إلا نحو إستثنائي (في حالة التلبس) أو في حالة وجود قرائن قوية باقتراف جرائم بعينها (الجنايات عموما وبعض الجنح بشروط) أو في حالة الحصول على إذن من النيابة العامة. وفي جميع هذه الحالات تنحصر إختصاصاته في القبض على المتهم والتحفظ عليه لمدة محددة (لا تتجاوز الأربعة وعشرين ساعة) قبل تسليمه للنيابة التي تقرر التمديد له (لستة أيام أخرى قابلة للتجديد بناء على أمر القاضي) أو إخلاء سبيله.
أما فيما يخص حماية النظام العام فتحدد من زاوية إبعاد الجاني عن محيطه الإجتماعي طيلة المدة التي يتطلبها إصلاحه وعودته عضوا نافعا له. لكي يتأتى هذا الإبعاد أولا ويحقق غايته ثانيا لابد من مراعات الضوابط التي ينص عليها قانون الإجراءات الجنائية وكذلك المعايير المعتمدة دوليا في مؤسسات الإصلاح والتأهيل. بغير ذلك لن يجد الجناة ما يشجعهم على إخضاع أنفسهم للمحاكمة ولن يتمكن المجتمع من الحفاظ على أمنه وإستقراره. وإن تم القبض عليهم فلن يحقق ذلك شيئا سوى إصرارهم على الإجرام وإصرار الآخرين على الإختباء، ناهيك عن تدهور صورة الدولة في الداخل والخارج.
ختاما، ليس من باب التعرض لمواضيع يتم تناولها بكليات الحقوق من أشخاص أكثر تخصصا، ولكن لتوضيح مدى الهوة المخيفة بين الواقع الليبي وبديهات القانون الجنائي. لعلنا مدينون هذه الأيام لمنظمات حقوق الإنسان كالعفو الدولية (وهيومن رايس ووتش) التي لازالت تغض الطرف أو تتكلم باستحياء عن غياب القضاء وإنتشار المعتقلات في كل مكان. إن ما يجري على أرض الواقع من عمليات إعتقال وتحقيق وحبس لا يمكن أن تستجيب لأي شيء من القانون ولا يمكن أن يبررها الواقع لسبب بسيط وهو أن بالأمكان أن تتم بغطاء من الشرعية وتقود إلى الغاية التي ترضي جميع الأطراف ولا تشوه مسار الثورة والدولة. ما الذي يمنع جهاز الداخلية من إستلامه لمراكز الأمن والشرطة ومؤسسات الإصلاح، ومن أن يلزم جميع منتسبيه من مباشرة وظائهم أو إتخاذ الإجراءات التأديبية حيالهم؟ ما الذي يعوقل كذلك وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء عن فتح المحاكم وتوزيع المهام كما هو الوضع في جميع دول العالم؟