
أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ، مواطن بسيط لا يهش ولا ينش ، حياتي موزعة ما بين البيت والعمل وأحيانا المسجد ، واعذروني لان المسجد سابقا كان مكانا مشبوها لا يرتاده إلا العجزة والمسنين والعوّاله طبعا ، أقول إنني لست من ذوي المطامع ولنقل احتراما لبعضهم إنني لم أكن طموحا ، ولدت أواخر الخمسينات في عائلة فقيرة فقدت عائلها الوحيد فكان على الأم أن تتولى المسئولية كاملة ، كنت ثاني إخوتي وأصغرهم ، وللعلم نحن اثنان فقط والحمد لله ليس أكثر ، تنعمنا في رغيد الفقر كيفما نشاء وبيتنا كان براكة عظيمة ليس لها مثيل والحمد لله انه لم يحسدنا عليها احد ولم نتعرض للعين وإلا كنا فقدناها ولم يصدر وقتها قانون رقم 4 حتى لا ينازعنا فيها احد ، لم تجد الشمس صعوبة في التلصص علينا من خلال شقوقها ، ولم تحمنا جدرانها من مداعبة نسمات البرد القارصة لأجسامنا ، أما بالنسبة للأمطار فلم نجد فرقا يذكر بين أن نكون داخل البراكة أو خارجها ، لا نعرف شيئا عما يسمى بالمخططات أيا كان نوعها ، ولم يكن هناك مخططات للمنطقة فلم تقع هذه البراكة ضمن الإزالة لغرض التطوير، منطقتنا كانت تقع ضمن الأراضي الزراعية ولم يهاجمها حجر البناء ولا الاسمنت ولم يصل سعرها كما هي الآن يتجاوز 3000 دينار للمتر ، لاشك إنكم أدركتم انه لا توجد كهرباء أو حنفيات ماء وبالطبع لن يكون هناك ثلاجة ولا غاز الطهي فقد استعضنا عنهما بالبرادة والبابور لمن يعرف البابور ، أما الموارد المالية فحدث ولا حرج فالأموال لم يكن في قدرتنا إحصائها أو حتى تخزينها ، ببساطة لأنه ليس لدينا أموال أو ثروات للعد أو التخزين عدا الصدقات التي تأتينا من حين لآخر من المحسنين وفاعلي الخير جزآهم الله عنا كل خير أو القرامات التي تجود بها علينا إحدى المؤسسات التي لا اعرف تبعيتها إلى حد الآن ، لم أكن اعرف درهما ولا دينارا ، هي القروش في أحسن الأحوال ويتحدث لنا بعض الناس عن الجنيهات ، الفطور لايتعدى في احسن الاحوال الخبز والشاي وليس دائما ، اما اللحم وما ادراك ما اللحم ؟ عيد الاضحى يكون عيدا حقيقيا بالنسبة لنا وخاصة اذا تقاسمنا اضحية مع عائلة اخرى تعيش النعيم الذي نعيش فيه ، لا باس من التعرض إلى الاثاث الفاخر الذي يتكون من المرقوم والحمل والبطانة وغيره مما نسيت ان اذكره ، والحمد لله على ما اعطى والحمد لله على ما اخذ ، أمي وأعيد وأقول أمي وليس كما يقول البعض الحاجة أو العزوز ، هذه المرأة العظيمة المكافحة التي لا تقرأ ولا تكتب طلقت الدنيا بمغرياتها وسدت الأبواب أمام ( الناصحين ؟ ) بتركنا والبحث عن نصيبها كما يقولون ، وكرست جل اهتمامها وأوقفت حياتها على تعليمنا ورعايتنا وتربيتنا التربية الصالحة ، غزل الصوف ، نعم عملت بجد وجهد لتوفير ما نعتاش به بغزل الصوف وصناعة أغطية الأواني ( ما نسميه الطبق ) من سعف النخيل والكثير من الأعمال التي لا شك إن من كانوا يرفلون في هذا النعيم يدركونها ، الشرف والصدق والأمانة والقناعة مبادئ عملت الكثير لتغرسها في نفوسنا ، وقد عانت في سبيل ذلك الأمرين في ظل مجتمع محافظ يرقب كل صغيرة وكبيرة ويحصي علينا حتى الأنفاس ، وقد نالت نصيبها كاملا من الغمز واللمز ، لا نعرف الحكومة ولا الدولة ولا حتى الملك الذي كان على رأس الدولة آنذاك ، ولا حتى ما تعنيه هذه الكلمات ، كل وعيته دكان الحاج جمعه ودكان الصديق الذي نشتري منهما بالطلوق وشيخ الكتاب صاحب العصا الغليظة والفلقة والخميسية ثم بعد ذلك المدرسة ، فليس لدينا أي وسيلة من وسائل الإعلام عدى ما تحكيه لي أمي من حكايات الغولة وخرافة الأم بسبسي والقزازين وامرأة أبيهم الظالمة ، ولا زلت اذكر بعض العبارات من خرافة القزازين التي تقول ( يا قزين يا حزين ملس كسكاسك بالطين اهلك رحلوا عنك ) ، أو حكايات بعض النسوة اللاتي يأتون للهدرزة مع أمي حيث كانت تنهرني وتطردني عندما تكتشف إني أتسمع عليهن ، أو ما يأتينا من أخبار يتحفنا بها بعض الأقارب في زياراتهم القليلة و المتباعدة أو في مناسبات الأعياد ، اذكر مرة أني سمعتهم يتحدثون عن إذاعة لندن التي قالت أن اليهود هجموا على مصر واستولوا على سيناء ، وان عبدالناصر قد يضرب القاعدة لأنها ساعدت اليهود في ذلك وعلينا أن نهرب بعيدا ، طبعا لم اعرف ما هي مصر ومن تكون سيناء هذه ومن هذا الذي سيضرب القاعدة وما هي القاعدة امرأة أم رجل أم مكان أم ماذا وأين توجد ، لازلت اذكر إننا رحلنا إلى البادية هربا مما قيل انه قد يحدث ، ولست ادري هل يجب أن أقول الحمد لله انه لم يحدث .
تم وضع حجر الأساس للمنزل في سنة 1965 ولي من العمر ست سنين وهي نفس السنة التي توفي فيها الوالد رحمه الله اثر مرض عضال أقعده طريح الفراش لما يزيد عن عشر سنوات ، حكت لي أمي سبب المرض مرات عديدة وكنت أطالبها دائما بتكرار القصة دون أن أحس إنني ربما اسبب لها حسرة أو ألما ، أو ذكريات مؤلمة تريد دفنها ونسيانها ، كان العراسة وهم أصحاب العريس يمارسون الألعاب المتعارف عليها في الأفراح واحدها أن تشكل دائرة منهم على دورين كان أبي في الدور الثاني فسقط نتيجة لحركة من الأسفل لم تكن متوقعة وربما هو القضاء والقدر الذي أراد له معاناة طويلة مع المرض دام عقدا من الزمن مع العديد من محاولات العلاج المتوفرة آنذاك من الطب الشعبي والحضاري والشيوخ والمرابطية ، وحتى تشيكونيا فشل في علاجه وهو طبيب ايطالي مشهور يعرفه أهل طرابلس حيث أن الإصابة كما قيل استهدفت العمود الفقري مباشرة ، كان أبي كمن ينتظر انتهاء الأجل فقط ، فقد الأمل في أي علاج حتى وافاه اجله له ولجميع المسلمين الرحمة والغفران .
أعود إلى المنزل الذي بدأنا إقامته على قطعة ارض لا تتجاوز 144 متر وهي مساحة كبيرة بمقاييس ذلك الزمن حيث تضافرت جهود المحسنين فمنهم من احضر مواد البناء مجانا ومنهم من قام بالبناء دون أن يأخذ أي مقابل عدا رحمة الوالدين وكل على قدر استطاعته وقد تمكنوا من بناء السور وحجرة واحدة انتقلنا إليها وهي نقلة نوعية تستحق الإشادة بها ، لابد من الإشارة هنا أن عملية البناء لم ترق بعضا من الورثة ولم يراعوا كوننا أيتاما نحتاج عونهم معنويا على الأقل ، لم يوفروا جهدا أو وسيلة للعرقلة وإيقاف عملية البناء ، جاءنا الحرس البلدي عدة مرات ويعودون متأسفين لحالنا وقد غضوا الطرف عنا ، والحمد لله الخير في وفي أمتي إلى يوم الدين أو يوم يبعثون أو كما قال عليه الصلاة والسلام ، وقبل أن استمر في هذه القصة أرى من واجبي الإشارة إلى أن البناء في هذا المنزل العتيد قد تم انجازه في سنة 1984 وبعد خمسة عشر سنة مما يسمى بثورة الفاتح العظيمة وبالمجهود الذاتي وبتضحيات جمة من شقيقي الأكبر .
أقول في نهاية الستينات حيث كنت بالسنوات الأولى من المرحلة الابتدائية كان شقيقي وهنا أتوقف عند كلمة شقيقي ، فهو لم يكن شقيقا فقط ، لقد تحمل المسئولية على صغر سنه فكان لي أبا وراعيا وموجها وناصحا ، ضحى بآماله وأحلامه وطموحاته ورغباته وسنين غالية من عمره في سبيلنا ، هل تصدقون انه تزوج بعد سنة من تخرجي أنا من الجامعة وضمن لي وظيفة بأحد الشركات ، ولم يهنأ له بال حتى قام بتزويجي ، مهما فعلت لا أتخيل أنني قد أفيه حقه أو أرد له بعضا من أفضاله ، أدرك انه لا ينتظر مني جزاء ولا شكورا وان سعادته تتحقق بنجاحه في تربيتي وان يجد في ما لم يجده في نفسه وان جهوده وتضحياته معي لم تضع هدرا ، أتمنى هذا .
التحق شقيقي بالوظيفة مبكرا بعد أن ترك مقاعد الدراسة الإعدادية ، في أول يوم عمل له خرج مبكرا من البيت ليستقل الحافلة ( يا حسرة ) إلا انه رجع سريعا فقامت أمي بتعنيفه وتأنيبه وانه بدأ يتهرب من العمل منذ أول يوم وقد حاول مرارا أن يشرح لها أن العسكري أمره بالرجوع للبيت ، وفي هذه الأثناء جاء من يخلصه من هذه الورطة حيث دلف إلى البيت عدد من الأقرباء الذين تقطعت بهم السبل ولم يستطيعوا الذهاب إلى أي مكان إلا إلينا و أفادوا بان الجيش سد كل المنافذ ويتحدث الناس عن ثورة قامت في ليبيا ، وبدأت الأخبار تتوارد أن الجيش قام بثورة على الملك المتعفن ، فتحنا الراديو الذي كان يبث موسيقى عسكرية ومن حين لآخر يقول المذيع في لهجة صارمة انتظروا البيان رقم 1 ، استمعنا إلى البيان كاملا ، وتأكد الخبر أن ليبيا أصبحت جمهورية حرة وان الجيش البطل داس على الحكم الملكي المتعفن وسيكون هناك حرية وعدالة ومساواة إلى أخر البيان ، لا زلت أتذكر بعضا من عبارات هذا البيان الذي تلاه احد ضباط العسكر تحت ما يسمى بمجلس قيادة الثورة ، كما أتذكر أن احدهم ذكر لي في المدة القريبة الماضية أن الشعب سبق و أن خرج في مظاهرات ضد الملك بهتافات لست ادري مدى صحتها ومصداقية قائلها ، فإن كان ذلك صحيحا فقد تحققت فعلا مطالب الشعب بقيام الانقلاب ، طالبوا بسقوط العدالة ( تسقط العدالة ) في مظاهرة أمام المحكمة العليا فسقطت ، هتفوا في مظاهرة أخرى ( إبليس ولا إدريس ) فتم تلبية المطلب وتولى إبليس مقاليد الأمور في البلاد ، قال إبليس في بيانه للناس : ( هاتوا أيديكم فأعطيت له فكبلها وقبض على الحرية وأودعها سجنا محكم الإغلاق – افتحوا قلوبكم ففتحت فداس عليها وحطمها – أنسو أحقادكم فأنساهم أنفسهم وبث فيها ما يشاء من حقد وفتن وأفكار عفنة – تكلم عن الجهاد والتاريخ وبناء المجد فطمس تاريخ الجهاد ولم نعد نسمع إلا تاريخه الزائف وأمجاده الخيالية ورحلة الأربعة آلاف يوم المزعومة – بشر براية الحرية والرخاء والسعادة والعدل والمساواة لا مغبون ولا مظلوم فتحولت هذه البشارة إلى كابوس دام ما يزيد عن أربعة عقود ، لكل عائلة منا قصة وحكاية ولا يخلو بيت من مأساة ، ونال كل فرد نصيبه من هذه البشارة ، تنوع الفقد مساجين في غياهب السجون ، ضحايا في حربي أوغندا وتشاد ، فارين إلى خارج البلاد ..... وتطول المأساة وسيكون للبيان قراءة تحليلية في وقت آخر ) ، أعود للأحداث وما جرى من تغيير بحدوث الانقلاب وما تعرض له شقيقي من تعنيف لعدم ذهابه لعمله في يومه الأول حيث هدأت أمي وعرفت أن الأمر خارج عن إرادة شقيقي ، فتح باب النقاش والتحليلات عما حصل وما سيحصل وأحاديث كثيرة لم افهم منها شيئا دارت بين أقربائي الذين احتجزوا لدينا لمدة ثلاثة أيام على الأقل حتى تمكنوا من العودة إلى بيوتهم ، خرجت من البيت لأجد أقراني الذين سألوني ما معنى كلمة متعفن ، أجبتهم بأنهم وجدوا أكلا متعفنا في ثلاجته ( بستاهل : احني جعانين وهو الماكلة معفنة في ثلاجته ) ، ذلك ما توصلت إليه مما سمعت ، لم افهم شيئا مما قيل آنذاك عن الديمقراطية والاستعمار والرجعية والشعب سيد الجميع والقواعد الأجنبية وحتى الوحدة العربية ، تلك مرحلة قد خلت وتليها أخرى أرجو أن أتمكن من إيجاد الوقت لأكمل هذه القصة المملة والتعرض لبقية المراحل .
عمر خليفة العربي