
بُطلان "التعويض" بالإكراه
عبدالحكيم عامر الطويل hakimatom@yahoo.com
إلى من يرددون أن من أخذ ما يُسمى بتعويض ... لا حق له في استرداد أملاكه المغتصبة
في الاحتفالية التي أقامها شارعنا مساء الجمعة 28/10/2011 بمناسبة تحرير الوطن والانتصار على المردوم في جهنم بإذنه تعالى جاءت جلستي قرب "خليفة"، صديق وزميل دراسة قديم، وبعد التسليم والسؤال عن الحال والأحوال سألني عن الجهة التي مولت هذه الاحتفالية، خصوصاً وأنه رأى أنها تنوعت ما بين عشاء تقليدي بلحم القعود الذي شهد ذبحه وسط ألحان الغيطة والنوبة وسط الشارع، مع أكوام حلويات ومشارب وألعاب نارية لمعت طويلاً فوق أسراب علم الاستقلال التي ظلت ترفرف فوق رؤوسنا طوال اليوم وما بعده، مع هدايا متنوعة توزعت ما بين أيادي أطفالنا، أخبرته أنه تمويل ذاتي كامل اشترك فيه بعض الجيران طواعية، لكنني أقسمت له على أنه إذا ما استرجعت عمارتيْ أبي اللتين اغتصبهما المردوم بالقانون رقم 88/1975 والقانون رقم 4/1978 ما كنت لأسمح لأحد بأن يشاركني في تمويل هذا الحفل، واعداً إياه بدعوته لحضور احتفالية أضخم أمام إحدى عمارتيْ أبي يوم استرجاعهما، هنا سألني سؤال بسيط لطالما سمعته يتداول هنا وهناك ما أن تأتي سيرة العقارات المغتصبة: "ألم تأخذوا تعويض؟" أجبته محاولاً كتم حنق عتيق لازمني منذ أن صدر القانون 88 لسنة 1975:
أود أن أعرف بداية لماذا تسمونه تعويض؟ عمارات أبي لم يصبها حريق حتى تستحق تعويض، كما لم يُغْرقها فيضان أو صدَّعها زلزال أو برق أو حتى نيزك! فلماذا اختار "المردوم" هذا المصطلح ووجد قبولاً بين الناس؟ لماذا لم يستخدم مصطلح "شراء" مثلاً؟ إن كلمة "تعويض" تصح على أملاك تضررت نتيجة كارثة طبيعية، لكن ما أصاب أبي ليس كارثة طبيعية وإنما مزاج مريض قرر عن سابق إصرار اغتصاب أملاك شرعية لم يعرضها أصحابها للبيع أصلاً، وما كان لهم أن يردوا هذا الغصب لأن من اغتصب أملاكهم ليس تاجراً يمكن التفاوض معه وإنما أعلى سلطة في البلاد، تسجن وتقتل كل من يرفض تنفيذ أهوائها كما نقتل نحن البعوض والصراصير، إنه من اغتصب كل ليبيا قبل ذلك دون أن يأخذ إذناً من الليبيين، منقلباً ليس فقط على قوانين البيع والشراء بل وعلى الدستور والشرعية.
وكأن كل هذا الشرح لم يقنع صديقي سارع يقول لي: "لكنكم أخذتم دينارات مقابل أملاككم هذه، صح؟"، بلعت ما بقي من ريق في حلقي الجاف، ثم حاولت تجنيد أقصى ما توفر لي من تعقل وأجبته قائلاً: "لابد لك من أن تكون واثقاً تماماً من أن ضحايا هذا الاغتصاب لم يعرضوا أملاكهم للبيع! أي لم يتوفر ركن نية البيع في نفوسهم بصفته أحد أركان البيع الشرعي الصحيح، كان الكثير منهم كانوا يستبقون أملاكهم هذه التي اغتصبها المردوم للمستقبل، لتضمن لهم إيجاراتها حياة كريمة في شيخوختهم ولأبنائهم من بعدهم، بعضهم الآخر كانت مصدر رزقه "الوحيد ... الوحيد"، فلا هُم موظفين يتقاضون راتباً ولا كانوا شباب يمكنهم بدء مشاريع جديدة، كما لم يكونوا يملكون أرصدة مالية تمكنهم من العيش سنوات طويلة إذا ما خسروا أملاكهم المغتصبة هذه، إن المردوم كان قد اغتصب أملاك هؤلاء بناءاً على قوانين لم يسنها الشعب الليبي ولا أجهزته التشريعية ولا لجان انبثقت منه لحل مشكلة اجتماعية ملحة في دولة قليلة السكان هائلة الموارد، قوانين اغتصاب هذه الأملاك صدرت بناءاً على رأي مريض واحد، متمنياً ملاحظة أن القانون 88 والكثير من قوانين اغتصاب الأرزاق الأخرى كانت قد صدرت ونُفِّذت قبل حتى مسرحية سلطة الشعب التي حاول المردوم عبرها إعطاء شرعية لكل القوانين التي أصدرها مزاجه الشخصي فيما بعد، كانت قوانين الاغتصاب هذه لا مثيل لها إلا في الغزو الأجنبي الذي نقرأ عنه في كتب التاريخ، حينما يُطلق الغازي أتباعه ليغتصبوا الأملاك والنساء طوال 3 أيام، الفارق الوحيد هو أن المردوم جعلها 42 سنة.
في هذه الأثناء سمعنا آذان العشاء يكبر عالياً، فصار صديقي خليفة يتمتم مكبراً يحاول إفهامي أنه يستعد للصلاة، لكنني سارعت بوضع يدي على كتفه وقلت له: قبل أن تنهض أريد أن أوكد لك أنه لا سند ديني أو حتى وضعي لقوانين الاغتصاب هذه، فهذه القوانين تخالف كل مقدساتنا وتقاليدنا وحتى قوانيننا سارية المفعول حتى الآن، لنبدأ بالأقدس:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29]
هنا استثنى القرآن الكريم التجارة من الأموال المأكولة بين الناس بالباطل، أي أن كل الأموال المأكولة ما بين الناس "باطلة" باستثناء التجارة التي حرمها المردوم! لكنها أيضاً ليست أي تجارة وإنما تلك المشروطة – وفقاً لنص هذه الآية – بالتراضي، هذا ما لم يحدث مع ما يسمى بتعويضات الأملاك التي اغتصبها المردوم، فلا ملاكها الشرعيين عرضوها للبيع ولا حتى أُخذ رأيهم في بيعها، ناهيك عن مفاوضتهم في قيمة ما يسمى بتعويضها، لقد قرره هو وحده بكل صفاقة، وحدد هو قيمته، وموعد دفعه وطريقة دفعه!! مما يجعله إجراء باطل باطل باطل.
هناك كذلك إثبات من السنة التي ألغاها المردوم من تشريعه:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه"، حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما،
هنا تؤكد السنة النبوية على بطلان كل ما أجبر عليه المسلم بالمطلق، جاعلة إياه في حكم الخطأ والنسيان، فكيف نسمح لأنفسنا بالأخذ به بعد ذلك؟
بعد صلاة العشاء نهضت أبحث عن صديقي خليفة، فوجدته يحاول ارتداء حذائه، فوضعت يدي على كتفه مرة أخرى محاولاً منعه من الاتجاه نحو سيارته ثم قلت له: مادمنا قد غادرنا لتونا حضرة الذات الإلهية عائدين إلى هذه الدنيا الفانية أود أن أوكد لك أن بها هي كذلك ما يُبطل صحة جرائم اغتصاب الأملاك من حيث لا يدري الكثيرون منا! فمن المعروف أنه مُسْتَقَر قضائياً أن العقد يبطل بمجرد وجود عيب في "إرادة" أحد المتعاقدين، أي أن أي عقد قانوني ما بين طرفين يُعد باطلاً بطلاناً مطلقاً إذا صدر تحت إكراه من طرف لآخر طبقاً لنص مادة في قانوننا المدني أراها اليوم من معجزات الله في نُصرة المظلومين، إذ أعمى جل شأنه المردوم وأزلامه عنها فظلت سارية المفعول، ليس فقط في عهده بل وحتى الآن، إنها المادة 127 من القانون المدني التي تنص الفقرتيْن الأوليين منها علي:
هنا يبدو واضحاً أن هذه المادة وكأنها تتحدث عن القانون 88 وابنه غير الشرعي رقم 4، إذ تم تنفيذهما تحت سلطان رهبة بعثها المردوم (المتعاقد الآخر) في أنفسهم دون حق، رهبة – كما تنص المادة – قائمة على أساس أن خطراً جسيماً محدقاً يهدد المتضررين أو غيرهم (أفراد أسرهم) في النفس (التصفية الجسدية إذا رفضوا الرضوخ لاغتصاب أملاكهم) أو الجسم (طريحة باهية من لجانه الثورية!) أو الشرف (هل أنا بحاجة إلى التذكير باغتصابات مرتزقته؟) أو المال (قيمة العقارات المغتصبة)،
وأزيدك من الشعر بيت كما يقال، القانون المدني الليبي ينص كذلك على أن خرق العقد أو حتى مجرد تعديله يقتضي "إتفاق الطرفين"، وإلا صار باطلاً لاغياً كأنه لم يكن طبقاً للفقرة الأولى من نص المادة 147/مدني:
العقد شريعة المتعاقدين: العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون ...
أي أنه كان من المفترض أن من له حق إلغاء عقد القرض المصرفي بالنسبة للمطبق عليهم القانون 88 – إذا كانت هناك أصلاً حاجة للإلغاء – هو المقترض أو المصرف، لا أن تتدخل جهة ثالثة كالمردوم، كما أن عقد الإيجار المبرم ما بين مُلاك الأملاك المغصوبة بالقانون رقم 4 كان من المفترض تعديله أو حتى إلغاؤه من قبل المالك أو المؤجر لا غير، لا جهة ثالثة هي المردوم، مما يجعل هذا الإلغاء باطلاً طبقاً لنص هذه المادة سارية المفعول حتى الآن.
حتى في الأقوال المأثورة هناك ما يُثبت بطلان هذا البيع، فالحكمة التي تقول: ما بُنِيَ على باطل فهو باطل تؤكد على صحة إعادة الأملاك المغتصبة إلى أصحابها سواء أُكرهوا على أخذ مقابل لها أم لم لا مادام هذا المقابل جاء وفقاً لقانون ظالم باطل مخالف للشرع والقانون الوضعي والتقاليد الاجتماعية الإنسانية المتوارثة منذ قرون.
كأن كل هذه الحجج لم تكن مقنعة نطق صديقي خليفة بعد صمت طويل قائلاً: "لكنكم أخذتم دينارات مقابل أملاككم، أي أنكم لم تخسروا شيء!"، هنا أيقنت أنه لم يتبق لي الكثير من الصبر، فأجبت خليفة محاولاً استخدام ما بقي لي من ضبط النفس قائلاً: هل عَددت هذا المقابل؟ هل شهدت تسليمه واستلامه؟ لماذا تحملون أفكاراً مؤيدة لظلم المردوم من حيث لا تدرون؟ كم هو هزيل هذا المقابل! لقد اغتصب المردوم كل السلطات في ليبيا، فهل هناك من مازال يصدق أنه يُعطي؟ متى أعطى المردوم الحقوق كاملة؟ هل قدم تعويضات عادلة لمن جاءت بيوتهم وأرزاقهم ضمن مسخرة الإزالة لغرض التعويض التي شهدناها جميعاً في آخر عهد المردوم؟ هل رضي المتضررين في الهضبة وسوق الثلاثاء بما رماه لهم؟ السؤال الأدق الذي أريد أجابتك عليه: هل ما رماه هو السعر الحقيقي المطابق لسعر السوق الفعلي لتلك العقارات؟ دعنا لا نناقش الآن صحة أحقية ملكيتهم لهذه العقارات لأن ما أتحدث عليه الآن هو مدى مطابقة ما يسمى بالتعويض الذي كان يرميه المردوم لضحاياه بالسعر الفعلي في سوق العقارات،
ظل خليفة صامتاً كأنه مازال منهمكاً في إعادة سماع وفهم كل ما قلته له، ولأنني أحسست بأن حساباته ستطول قطعت حبل تفكيره قائلاً: أتريدني أن أريحك؟ بالنسبة لعمارة أبي التي طبق عليها القانون 88/1975 كان ما تسميه أنت بالتعويض مجرد 30% من التكلفة التي صرفها عليه من حر ماله، لكن قيمة العقارات في أي مكان من العالم لا تحتسب قيمتها بكلفة بناءها وإنما بقيمتها وهي جاهزة في سوق العقارات، فكانت قيمة التعويض الذي تتحدث عنه لا يتجاوز 25% من قيمتها الفعلية في السوق، أما عمارته التي طبق عليها القانون 4/1978 فقد كان تعويضها في حدود 40%.
المأساة أن هذا الظالم كان يُقلل من قيمة التعويض كلما كبرت مساحة الأرض أو طول العمارة المغتصبة! قيمة التعويض تزداد في كل زمان ومكان إلا مع المردوم وأذنابه، تقل وبتخطيط ماكر خبيث، ولتسأل يا من لا تعرف! بل حتى أولئك الذين خُصصت لهم هذه الأملاك المغتصبة لم يمنحها لهم المردوم مجاناً وإنما ظل يستقطع منهم قيمتها شهرياً إلا من كان من زبانيته، حتى هؤلاء كان يعطيهم لا حباً فيهم ولكن ماداموا يدفعون حياتهم ثمناً لبقائه.
كما من المعروف أن سعر البيع هو دائماً أكثر من سعر الشراء، لكن في الوقت الذي يعلن فيه المردوم هذا الفارق بوضوح في تجارة العملات الأجنبية في مصارفه، ينعكس هذا الفارق فجأة حينما قرر تقدير قيمة ما يسمى بتعويض الأملاك المغتصبة، إذ جعلها أقل ليس فقط من سعر التكلفة بل من سعر الشراء ذاته.
حتى ولو كانت قيمة ما يسمى بالتعويض أكثر من قيمة العقار فشروط البيع الشرعي تلغي صحة هذا البيع مادام لم يأت برضا البائع، فكم من أشياء يقال إنها أثمن من قيمتها وأشياء لا تقدر حتى بثمن، فقيمتها الخدمية لمالكها أكبر من قيمة بيعها، وربما بيت مطل على شارع 17 فبراير في قلب طرابلس الغرب لهو أثمن بكثير من هكتارات في ضاحية وادي الربيع البعيدة بالنسبة لمن يحترف تجارة العقارات، إذ يستطيع أن يوفر قوته وهو في وسط البلاد ولا يستطيع ذلك في أطراف المدينة، لهذا حرَّمت كل الشرائع اغتصاب الملك وإعطاء مالكه أي بديل آخر لا يرتضيه ولو كان أعلى منه ثمناً.
هنا قال لي صديقي خليفة والتململ ظاهر في وجهه: "لكن هناك من لم يأخذ هذا الذي لا ترغب في أن تسميه تعويض، فلماذا أخذه البعض إذا كانوا غير معترفين به ولم يريدوا التفريط في حق ملكيتهم له؟" نظرت ملياً في وجه خليفة وتساءلت بيني وبين نفسي ما إذا مازال يعد صديقاً حقاً؟! ثم جمعت ما بقي لي من صبر وأجبته: نعم، إنقسم المتضررون من جراء قوانين الاغتصاب هذه إلى فئتين، فئة لم تقبل بالمقابل المادي الذي عرضه المردوم عليهم وفئة قبلت به، وبالرغم من بطلان هذا الاغتصاب بطلانا تاماً على الفئتين كان بإمكان الفئة الأولى العيش دون أملاكهم المغتصبة، أي كان لهم مصدر دخل آخر طوال 37 سنة، مرتب شهري أو حسابات مصرفية في الخارج أو موارد رزق أخرى من غير أملاكهم المغتصبة، بينما توقفت حياة الفئة الثانية مباشرة وصاروا فقراء معدمين ما أن اغتصبت أملاكهم، فلا كانوا موظفين ولا لديهم حسابات مصرفية في الداخل ولا الخارج، ولا لديهم أي مورد رزق آخر، كانت حياتهم وحياة أسرهم تعتمد تماماً على إيجارات أملاكهم المغتصبة، فكيف لهم أن يدفعوا إيصالات الكهرباء والماء ومصاريف مأكلهم وملبسهم ومأكل وملبس عائلاتهم؟
حتى من كان يستبقي شيء من السيولة والذهب ما كان لها أن تكفيه طوال 37 سنة، لهذا ما أخذته هذه الفئة الثانية مكرهة لم يكن أبداً قبولاً منهم بالبيع بقدر ما كان حلاً "مصيرياً" لم يجدوا غيره أمام جبروت ظالم لإعالة عائلاتهم وإبعاد شبح الفقر والعوز ومذلة السؤال، معتبرين بينهم وبين أنفسهم أن ما أخذوه كان مجرد "دفعة" أولى من إيجارات أملاكهم المغصوبة وقيمة صيانتها والتعويض المعنوي الذي كفله لهم القانون المدني بنص المادة 166: كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض.
"طيب!" رد خليفة، "... كان بإمكانكم البدء من جديد مع هذا المبلغ وعوضكم على الله فيما فات، فلماذا لم تفتحوا مشروعاً جديداً كان بإمكانه أن يعوضكم على كل ما خسرتوه"، هنا أجبت خليفة: قل لي بالله عليك هل كنت تعيش معنا أم كنت خارج الوطن المنكوب آنذاك؟ لو كنت تعيش معنا لعلمت أن المردوم لم يسمح بسحب أكثر من 500 دينار من أي حساب مصرفي كحد أقصى في الشهر، أي أنه أضاع عن سابق مكر وشماتة قيمة المبلغ الهزيل أصلاً وحوله عن سابق حقد من رأس مال هزيل إلى مجرد مرتب شهري، قاصداً بذلك عن خبث وخسة إضاعة فرصة البدء من جديد لأي مشروع تجاري آخر يمكن أن يعتاش منه المتضررين، حتى هذا المبلغ لم يسمح لهم بتطوير حياتهم، لم يكن بإمكانهم شراء أي أثاث أو أجهزة منزلية ضرورة (غسالة، ثلاجة، مجمد بدل الفاقد) إلا بعد شهور من التقتير والاقتصاد، أما شراء سيارة جديدة أو السفر فذاك كان من حياة الترف التي لم نكن لنجرؤ حتى على فتح سيرتها في بيتنا، في الوقت الذي كان الوافدون الجدد على الوطن يمرحون بمستحقاتنا السنوية من الدولار في السفر سنوياً للرجوع بالسيارات والأثاث والملابس الجديدة، بينما انحصرت حياتنا في مجرد الاستهلاك اليومي من أكل ولبس المنشآت من حين لآخر، فكيف يقال بعد كل هذا أنهم أخذوا تعويض؟
هنا صمت صديقي خليفة وكأنه يسمع حديثاً ما سمعه من قبل، وبعد أن رافقته إلى سيارته وجلس فيها وشرع في الانطلاق، أطللت برأسي من نافذة السائق المفتوحة وسألته: كم تساوي سيارتك هذه؟ أجابني: هي جديدة، 15,000 دينار، قلت له طيب ما رأيك لو قلت لك أريدها بـ6000 دينار، هنا انفجر ضاحكاً بسخرية تامة ثم قال لي: "معقولة؟ أقل حتى من نفص تمنها؟"، هنا أخرجت مسدس بلجيكي 9 ملم ووجهته نحو صدغه ثم صحت فيه: ما رأيك الآن لو قلت لك إما أن تنزل من سيارتك وتأخذ الـ6000 أو تأخذ الرصاصة الوحيدة التي أستبقيها في بيت النار؟ ارتبك خليفة وكاد يصدق أنني أهدده بمسدس حقيقي، لكنني حرصاً مني على عدم إفساد جو الاحتفال الذي يعيشه شارعنا ابتسمت سريعاً وقلت له: أنا أمزح معك بمسدس لعبة كنت أستبقيه لإبني فراس عند عودتنا للبيت! لكن المردوم لم يكن يمزح معنا حينما هدد أبي مثلما هددتك الآن، كان المسدس حينها مسدسان: القانون 88 والقانون 4، وكانت هذه هي الخيارات المتاحة، القبول بالفتات الذي حدد هو قيمته وطريقة دفعه ومكانه، أو الموت من الفقر منسياً في إحدى زوايا هذه المدينة مع أبناءه، ثم تقول لي تعويض؟؟؟
رأيت أن أختم حديثي معه بلوم غير مباشر تمنيت أن يستبدله بكل تلك الأفكار المغلوطة التي كان يحملها على هذه الشريحة المظلومة من ضحايا المردوم، قلت له: نحن جيل ثورة 17 فبراير التي قامت من أجل رد مظالم العهد البائد لا يجوز أن نكرر مزاعم المردوم فيما بيننا ونعمل على "شرعنتها" من حيث لا ندري بما يخالف شرع الله وسنته عبر القول إن هؤلاء قد أخذوا تعويض، علينا أن نبطل هذا البطلان فوراً، بداية بيننا وبين أنفسنا بالقول إن هؤلاء هم أول من ظلمهم المردوم، كما علينا أن نقف معهم في معركتهم العادلة إلى أن تعود حقوقهم إليهم "على داير مليم" كما يقول أشقاؤنا المصريين.
وأخيراً تأسست رابطة المُلاك المتضررين من حكم الطاغية بهدف استرجاع أصحاب الأملاك التي اغتصبها المردوم وفقاً للقوانين: 88/1975، 4/1978، 7/1985، 10/1996، وباقي قوانين الزحف والتأميم التي طالت كل الليبيين بدون أي حق ولا جريمة ارتكبوها طبقاً لجميع القوانين والشرائع الإنسانية، وفي الوقت الذي أهنئ فيه نفسي وأسرتي على تأسس مثل هذه الرابطة كثمرة من ثمار دماء شهدائنا الأبرار فإنني أتمنى ألا "يأكل" القانون 4/1978 مشهد الأملاك المغتصبة لوحده كما يحدث الآن في وسائل إعلامنا، أناشد أعضاء الرابطة أن ينتبهوا إلى خطورة أن يستولي القانون رقم 4 لوحده على كل جداول أعمالهم ومناشداتهم ومداخلاتهم، فلربما يتسبب ذلك من حيث لا يدرون في أن تصدر الحكومة قرار يلغى فيه هذا القانون وحده دون القانون رقم 88 وقوانين الزحف الأخرى، على أي حال يظل حق الملاك المتضررين متاحاً عبر كل محاكمنا المدنية إذا لم تنجح لا قدر الله هذه الرابطة في إعادة حقوقنا.
رسالة أخرى أوجهها إلى شيوخ المساجد، بدل بعض هذه الخطب الجمعوية التي لا تمس مشاكلنا الاقتصادية الحقيقية، لم لا تقنعوا شاغلي ملك الغير بأن يسارعوا إلى القبول بتحريم شغلها بعد الآن والعمل على تسليمها طواعية إلى ملاكها الأصليين قبل فوات أوان العقل والتسامح؟