التاريخ : 2012-02-18

التنمر من جديد بقلم/ د . حمد الرقعـي

 

تحدثنا في مرة سابقة عن التنمر، و قلنا بأن الشعب الليبي قد سئم النمور الورقية التي تحكمت به لأمد ليس بالقصير، و لن يرضى هذا الشعب الأبي بأي متنمر جديد مهما كانت طويلة مخالبه. لكن و رغم مرور عام كامل على بدء الثورة، و بالرغم من مرور عدة أشهر على انتصارها. و رغم مرور أشهر على ما كتبنا، يظل البعض قادر على مشاركتنا فرح الوطن بالثورة و فرحتنا بها غير قادر على التحلي بروح الثورة و التخلق بأخلاقها. لقد كان هدف الثورة واضح منذ البداية و قد اختصره ذلك الثائر بقوله ( نحن مطلبنا الحرية بس) هذا القول الذي تناقلته العديد من القنوات و الوكالات و الصحف.

إن للثورة استحقاقات يفرضها واقع الحال أثناء ممارسة فعل الثورة. لكن و بمجرد نجاحها و تحقيق أهدافها تعطي الثورة المجال للحياة الطبيعية في جو من الحرية. و لن تكون هذه الحرية بأي حال حرية مطلقة. بل هي الحرية المحكمة بجو ديمقراطي يشمل جميع مناحي الحياة. إذ لا يمكن الاستمرار في حالة الثورة إلى مالا نهاية ، بل يجب و عند تحقق أهداف الثورة العودة إلى الحياة الطبيعية. إن مواصلة استخدام أدوات الثورة و جعلها علاج متواصل لما يعرض لنا من مشاكل، أو لتصفية الحسابات، أمر يعيدنا إلى ذات أسلوب النظام السابق الذي كان يفاجئ شعبه كل حين بثورة جديدة. و لا نكاد نجد عبر التاريخ ثورة متصلة بشكل مضني للشعب و ممل كما حدث في عهد الطاغية حيث ظل يجدد ما يسميه بالثورة في صور مختلفة متواصلة من ثورة الطلاب إلى ثورة المنتجين، و لا يكاد يخلو خطاب من خطاباته – حتى خطابات الوداع- من إعلان ثورة زعيم على أبناء شعبه، يسخرها لعقابهم بشنقهم أو محاربتهم و التضييق عليهم في قوت يومهم.  

قد تضطر بعض الدول إلى فرض حالة الطوارئ كمرحلة انتقالية بين حالة الثورة و حالة الدولة التي تمثل الحياة الاعتيادية أو الطبيعية. و حالة الطوارئ هي نظام استثنائي محدد في الزمان والمكان تعلنه الحكومة، لمواجهة ظروف طارئة وغير عادية تهدد البلاد أو جزءاً منها، وذلك بتدابير مستعجلة وطرق غير عادية ضمن شروط محددة ولحين زوال التهديد. و من الأهمية بمكان تحديد الحالة في المكان والزمان، وتقييدها بشروط حازمة جازمة، للحد من العسف الذي قد تمارسه السلطات العرفية أو التنفيذية أو الإدارية ، تحت طائلة البطلان وفقدان المشروعية.

منذ اللحظة الأولى لانطلاق ثورة 17 فبراير،لا حظنا تلاحماً بين أبناء الشعب الليبي منقطع النظير، أبهر العالم وأعجز المنظرين عن  فهمه أو القدرة على تفسيره، استمر هذا التلاحم حتى إعلان التحرير أو لما قبله بقليل. و ربما كان هذا التلاحم هو السبب وراء عدم تفكير أي أحد في قانون الطوارئ، و ربما كان السبب الآخر هو عدم امتلاك أحد في تلك اللحظة لأي من الأدوات القادرة على تطبيقه.  بعد إعلان التحرير و بعد موت الطاغية، أدرك معظم الليبيين بضرورة العودة إلى حياتهم الطبيعية ليساهم كل منهم في بناء ليبيا الجديدة من خلال ممارسته لحياته اليومية، وأداءه لدوره المناط به اتجاه ليبيا المستقبل. لكن البعض... و بعد أن ذهبت عنه السكرة وقبل أن تأتيه الفكرة، نصب نفسه كأداة لتطبيق قانون طوارئ لم يعلن، فكان لكل منهم تفسيراته الخاصة لقانون لم يوضع، ولكل منهم أدواته الخاصة لتنفيذه. كان هدفهم واحد، هو حماية 17 فبراير. لكن هذا الهدف جعله البعض فضفاضاً بشكل أكبر مما ينبغي، ليسع كل غاياته، ليشمل تصفية الحسابات مع الآخرين و تحقيق المصالح الشخصية على مستوى فرد أو قبيلة أو مدينة ما. فهذه جماعة تلاحق أخرى لأنها كانت عوناً للطاغية، و هذه جماعة تقصي أخرى و تحتجز فلان ، و هذه مجموعة تقاتل مجموعة لأنها تتنمر عليها، و المجموعة الثانية حجتها الثأر لأبنائها من الشهداء، أو لدحر هجوم لأذناب الطاغية. إنها قوانين طوارئ و ليست قانون واحد، لا يجمعها سوى توفر أدوات تطبيقها من السلاح و سواه. و يدعمها استمرار السكرة و عدم وصولنا للفكرة.

انتهت الحرب و عاد الثوار إلى ثكناتهم أو بمعنى أصح استقروا في ثكناتهم، الأغلبية في مدن سكناهم و البعض اختاروا البقاء في مدن أخرى لأسباب مختلفة. لا أحد يعيبهم على هذا لأن الثورة مازالت تحتاج لمن يحميها ممن يتربص بها، وكما قال الملك الراحل ذات يوم " المحافظة على الاستقلال أصعب من نيله ". و الأغلبية تؤدي دورها بشكل جيد، إذا راعينا ظروف تكوينهم و خبرتهم، و أوجه قصور عديدة في الجهات المفترض تبعيتهم لها على مستوى الدولة. هم ثوار اختاروا أن يكونوا حماة للثورة و الدولة. لكن سكرة البعض قد تقود هؤلاء و تجعلهم عصى للمتنمرين، الذين لن يحاروا في فتح متاهات تقنع أتباعهم سواء بمعول الثأر للشهداء أو حماية الثورة، أو المحاصصة لصالح مدينة أو قبيلة.

و قد شهدنا خلال الأشهر الماضية و مازلنا نشهد العديد من الأمثلة التي كانت تحمل طابع 17 فبراير في ظاهرها. لكن باطنها كان أغراض ذات منظور ضيق لأشخاص اختاروا مبدأ تحقيق المصالح الشخصية لفرد أو جماعة وإن كان ذلك على حساب المصلحة العليا للدولة.

إن قطع دابر التنمر الذي قد يهدد الوحدة الوطنية، و يعطل قيام دولة القانون. يظل هو الأولوية التي يجب أن تركز عليها مؤسسات الدولة و المجتمع المدني اليوم بوضع آليات ثابتة، و مرجعية واحدة يعود إليها من تكفلوا بحماية الثورة. لنضمن عدم دخولهم في معارك ظاهرها حماية الوطن و باطنها أو حقيقتها أهداف شخصية أو جهوية.المرجعية الواحدة لدى الجيش الوطني أو وزارة الداخلية على سبيل المثال تكون ملزمة لأي من أتباعها بعدم اتخاذ أي فعل متسرع اتجاه الآخر إلا بعد الرجوع إليها، و هي التي تقرر الاستعانة بثوار من داخل المدينة أو من خارجها حسب طبيعة الموقف و الظروف المحيطة به. و قد تُحيل الموضوع إلى جهات أخرى كالقضاء أو لجان الصلح إذا استلزم الأمر ذلك. و حتى خروج رأي هؤلاء تضمن الجهة المرجعية استقرار الأمور و عدم زيادة تعقيدات المشكلة موضع الدرس.

إن طبيعة الدولة تختلف عن حالة اللا دولة التي تقوم على الفوضى وعلى طغيان الأقوى. فما يحكم الأخيرة هي مشاعر القوة والغضب والسيطرة التي تقضي على الروح المدنية المتميزة بالتسامح والتعاون من أجل العيش المشترك. إن تأسيس الدولة المدنية ومؤسساتها هو الكفيل بسيادة روح التسامح التي تمنع الناس من الاعتداء على بعضهم البعض، وذلك  من خلال تأسيس أجهزة سياسية وقانونية خارج تأثير  النزاعات الفردية أو القبلية أو الجهوية، تستطيع تطبيق القانون على جميع الناس بصرف النظر عن مكانتهم وانتمائهم و حتى قوتهم.
فالدولة المدنية هي مجموعة من الأفراد يعيشون في مجتمع يخضع لمجموعة من القوانين، مع وجود قضاء يطبق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل. فمن الشروط الأساسية في قيام الدولة المدنية ألا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. فثمة دائما سلطة عليا ـ هي سلطة الدولة ـ يلجأ إليها الأفراد أو الجماعات عندما تنتهك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك. 
هذه السلطة هي التي تطبق القانون وتحفظ الحقوق لكل الأطراف، وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم. ومن ثم فأنها تجعل من القانون أداة تقف فوق الأفراد جميعاً.

أما أن تظل جماعة تحت أي إطار انطوت سواء حيز فكري أو قبلي  أو اجتماعي، تحاول تطبيق قانونها الخاص بها، تبعاً لأفكار زعمائها، فذلك لعمري هو عودة لدولة اللا قانون التي عشناها لعقود. و يجب أن ننتبه ألا نظل حبيسي الدائرة التي يرسمها هؤلاء، إذ أن ممارساتهم تُعطل سيادة القانون و تعيق ممارسة السلطات لدورها. و تعطيل القانون يعطيهم المزيد من الوقت لترسيخ الفراغ السياسي و السيادي عن علم منهم أو جهل.

و لا خروج من هذه الدائرة إلا بكسرها، بفرض الدولة سيادتها من خلال مؤسساتها على جميع الأدوات، و تسخير هذه الأدوات عبر قنوات موحدة، لتحقيق سيادة القانون، و بالتالي إتاحة المجال للعملية الديمقراطية في بلادنا للمضي قُدماً.  

للتواصل  hamsam3@hotmail.com

  • ( 1 )
    عبد الله
    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقال فى الصميم و عاشت ثورة 17 فبراير ويجب تفعيل القانون و الخزى على من ارده مكاسب على حساب الشهداء و الوطن بخير انشاءالله .
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' الوطن الليبية ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .