
عل مر السنين والشيوخ والخطباء والدعاة يتكلمون عن هاتين الغزوتين اللتين خاضهما محمد رسول الله وصحبه فكتب لهم الله النصر فى الأولى وحقت عليهم الهزيمة فى الثانية وهم ذات الرجال على الجبهتين. ولأن هؤلاء الخطباء والدعاة يتاجرون بهاتين المناسبتين وهذا ديدنهم أنهم جعلوا الدين دين مناسبات. فهم لم يجمعوا المناسبتين ويدرسونهما ويستخلصوا منهما العبر والغاية والمضمون ويتم توظيفها فى حركة المجتمع ومسيرة الانتفاضات الشعبية ضد جلاديها ومغتصبى حقوقها حتى لا تنتكس وترجع إلى ذات الحفرة التى خرجت منها لتوها. وعلينا أن نعرف لماذا انتصر محمد وصحبه فى بدر وهزم محمد وصحبه فى أحد؟ وفى كلتا الحالتين لا يهمنا العتاد والعدة. فالنصر ابتداءً فى عقيدة المسلم هو من عند الله ولا أحد سواه ﴿ومَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ النَّصْرُ﴾ وأن النصر تحكمه النية ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وأن النصر محكوم بالصبر والمصابرة والثبات وحب لقاء الله ونصرة منهجه ودينه ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقلة العدد والعتاد لاتدخل فى مقاييس النصر والهزيمة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وكثرة العدد والعدة ما كانت يوما تحسم المعركة بل قد تكون سببا فى الهزيمة عندما تدخل فيها لعبة الأرقام لما يكتنفها من عجب وزهو ونسيان للحظة أن الله هو الناصر ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾، ولكن المهم هو الوحدة والاتحاد ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾، ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ والغاية والهدف دائما هي لخير المجموع البشري﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. هذه موجبات النصر وأشراطه [الإيمان، الثبات، ذكر الله، طاعة الله ورسوله، الوحدة وعدم التنازع، والصبر، والاتضباط والتضحية والشهادة من أجل الجنة]. وغزوة بدر كانت فى رمضان عام 2 هجرية (17 مارس 624) وكانت حربا دفاعية عن الفكر وروابطه وحرية الإنسان وكرامته ووجوده وشرفه وأمنه وآمانه ومن فقدها فى دنياه وناضل من أجلها فلاقى حتفه فله خير منها وأحسن فى الجنة. محمد انتصر له ربه بخلاف قوانين نيوتن الأرضية، وتعدى حتى قوانين إنشتاين النسبية ونظريات الكم وكمية الحركة. هذه قوانين أرضية، ولكن فى حرب يخوضها أنصار الله من أجل الله تتغير القوانين والمعادلات تغيراً جذرياً. قوانين ومعادلات يجهلها حتى أتباع المنهج ولا يعرفونها ولكن يرون فعلها ويفقهون مضمونها ويعتقدون صدقها. موقعة بدر قلبت الموازين وغيرت المفاهيم وأرست قواعد جديدة لبناء سياسي وثقافي واجتماعي واقتصادي جديد وعمَّقت اللازمة الأخلاقية ورسخت كرامة الإنسان ومنزلته وأكدت على نبل الإنسان ورفعته وعلو شأنه. تغيرت النظرة للأسير ومعاملته، ألغيت الشماتة بالقتيل فى الحرب والتمثيل به. تغيرت النظرة والدوافع للحرب. صار الثأر قصاصاً، والربا حراما، والزنا فاحشة، والغلول كبيرة. حرب بدر كانت الحرب المفصلية التى خاضتها الأمة مع من تربطهم علاقة دم. حرب التقى فيها الابن ضد أبيه والأب ضد ولده والأخ ضد أخيه، والعم ضد بن أخيه، والخال مع بن أخته، وصديق الأمس وعدو اليوم. فهي حرب عقائدية التقت فيها فئة قليلة العدد محدودة العتاد مع فئة كثيرة مدججة بالسلاح. فحرب محمد بالمقاييس العسكرية والمعطيات المادية حرب خاسرة ومغامرة غير محسوبة. والمقاييس الأرضية ومعايير البشر وكثرة العدد والعتاد لا تحقق نصرا ولا تنصر فكرا والتجربة التاريخية فيها المثال والدليل ولو كان من ضمنهم نبي أو رسول ﴿وَيَومَ حُنَيْنٍ إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَمْ تُغْنِ عَنكُم شَيْئًا وَضَاقَت عَلَيكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ﴾.
وأستطيع القول بكل اطمئنان أنكم عشتم تجربة محمد فى غزوة بدر بكل أبعادها فلم يكن لكم لا مال ولا سلاح ولا تنظيم ولا استعداد ولا قيادة ولم يكن معكم لا نبي ولا رسول ولكنكم رفعتم شعار الله أكبر وركعتم وسجدتم لله وتوسلتم نصرته وعونه ومدده وكنتم صفا واحدا من أجل كرامة الانسان وحريته وصبرتم وكابدتم واستشهدتم وأنت تقولون الله أكبر كما قال قبلكم سيدكم بلال "أحد أحد" ودعوتم وصمتم فكتب الله لكم النصر على الرغم من أن الله أراد وقرر مسبقا نزع الملك من الطاغوت وما أنتم إلا أحد أدواته المنظورة حتى يعلم الصادقين منكم والكاذبين ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وحتى يختبر الله فعلكم ويمتحن دعواكم ويمحص ما فى قلوبكم وهل تكونوا أهلا للنصر وتحققوا الغاية والهدف وتوفوا بوعدكم وعهدكم أم تنقلبوا على أعقابكم خاسرين ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخْلِفَنَّهُم فى الأرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُم الَّذِى ارْتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾.
وعام مضى على موقعة بدر وجاءت موقعة أحد فى 7 شوال عام 3 هجرية (23 مارس625 ) وقد تحققت فيها الهزيمة الماحقة وكانت مصيبة محمد وصحبه فى أحد فادحة وخسائرها جسيمة ومآسيها تتفطر لها القلوب وتقشعر لها الأبدان. ومعركة أحد هي امتداد لغزوة بدر ولم تنفصل عنها فكرا وحدثا وهي يجب أن تؤخذ بمجاميعها واسقاطها على حاضرنا. فعبدالله بن سلول الأب ومن معه لا زال حاضرا هناك وهنا وابو خيثمة الأعمى لا زال موجودا وأبو دجانة وأبوعامر الفاسق "حمزة وشيوخ الطاغوت" وهند بنت عتبة "عائشة بنت الطاغوت" وصويحبتها يضربن الدفوف ويتراقصن "قرب معسكر باب العزيزية " " ووحشي "المرتزقة" وأبى نيار وأمه شريق " من قاتل مع الطاغوت وسانده من القبائل والمناطق، وأم سعد " نساء اجدابيا وبنغازى ومصراتة ومختلف المناطق اللاتى كن يطبخن الأكل للثوار"، وألمرأة الدينارية التى مات زوجها وأبوها وأخوها " وقد رأينا مثلها من مختلف المناطق" ومخيرق اليهودي" قوات التحالف"، والطائفتان بنو سلمة "أهالي بنى وليد" وبنو حارثة "أهالى سرت" ومن شابهمهما فى بقية المناطق الذين تخلفوا عن محاربة الطاغوت. كل هؤلاء كانوا موجودين هنا وهناك ولم تختلف المشاهد هنا وهناك. وغزوة أحد تمثل ما نعيشه الآن بعد قتل الطاغوت وما يهمنا هو موقف الرماة وعدم انضباطهم وتهافتهم على المغانم والمكاسب المادية فضيعوا النصر وهلكوا الأمة وضيعوا خيرة رجالها.
لماذا خسر محمد وصحبه المعركة بعد أن كانت الدولة والريح لهم على قلتهم؟ الهزيمة لم تكن بسبب قلة الرجال أو ضعف العزيمة أو التولي أو لقوة الخصم وشجاعته. جاءت الهزيمة نتيجة مخالفة الأوامر العسكرية ومخالفة أمر النبي محمد والتكالب على الدنيا والمغانم وعدم الاكثرات للأخطار المحدقة بهم فنفر قليل يضيع ويضيع معه الجمع الكثير وتحل الكوارث والمصائب. أوامر محمد تقول [لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال]، وأصدر محمد الأمر الثاني لعبدالله بن الجبير قائد الرماة [انضح الخيل عنَّا بالنَّبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نُؤتَينَّ من قبلك]. لا تغادروا أماكنكم سواء خسرنا الحرب أم ربحنا، نجمع الغنائم والمغانم أو يجمعوا منا الغنائم والمغانم، لا شأن لكم بكل ما يجرى، فمهتكم الوحيدة ان لا تدعوا رجلاً من قريش يخترقكم ونؤتى من قبلكم. وخالف الرماة الأمر وما صبروا فى أماكنهم فهم يريدون المغانم، فكانت التكلفة باهظة، والنصر صار إلى هزيمة، وانهزم البعض عن رسول الله، وصلى محمد الظهر قاعداً من شدة الجهد والإعياء والدم على وجهه وكسرت رباعيته. لم ينتظر الرماة الأمر الثاني من محمد الذى يقول بانتهاء المعركة، فكان الذى كان. فريق التزم وحافظ على الوعد والعهد وحقق النصر، وفريق لم يلتزم ولم ينضبط وضيع معه فريق بكامله كما ضيع النصر المحقق. وكان لعدم انصباط هؤلاء نتائج وخيمة على محمد وصحبه. استعاد محمد وأصحابه أمر أنفسهم واجتازوا هذه المحنة بسبب غلطة لم تكن فى الحسبان. هذه دعوة قد يكون فيها الدم والقتل والمثلة والتنكيل والجوع والعطش والحر والزلزال الشديد وضياع المال وكساد التجارة وخسارة الولد وضياع المسكن. هذا طريق الجنة وهذا هو زاد الطريق إليها ﴿أم حَسِبتُم أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتهُمُ البَأسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ألآ إنَّ نَصرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾، ﴿ولَنَبلُوَنَّكُم حَتَّى نَعلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُم والصَّابِرِينَ وَنَبلُوَا أَخبَارَكُم﴾.
ونحن نعيش الآن غزوة أحد بعد بدر. فقد سارعنا إلى المغانم والمناصب والزعامة والصدارة أثناء الانتفاضة وصارت حربا ضروسا بعد قتل الطاغوت وتقاتلنا على المغانم بوحشية وبدأنا نسرق وننهب ونسلب أنفسنا وأهلينا والكل فرح بما نهب وسرق وسلب وكأنه حقق نصرا ولا يعلم أنه خان الأمانة ويأكل وذويه نارا وسحتا وغلولا وأضاع مجدا وفخرا. وبعض من حمل السلاح (كتائب ثورية مسلحة) عملوا عمل (بني عامر) التى وافقت على حماية محمد وقبول دعوته ولكنها اشترطت أن يكون لها الأمر من بعده [لتأكل به العرب] فرفض محمد فقالوا (أفَتُهدَف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك). وهذا ما تريده هذه الكتائب الثورية لتتحكم بمصير الشعب الليبي ويكون الأمر لها وبيدها وبقوة السلاح والقهر والقوة لتقتل العقل بإلغاء أدواته وإظهار الدوافع الغريزية وسيطرة النزعة السلطوية وتقتل الانسان ووأد حريته وحرية اختياره. محمد يريد أن يكون أمر الأمة بيدها لا أن تتحكم جهة ما فى أمرها. المنهج يحكم سلوك الأمة، والأمة تحكم أمرها وفقاً للمنهج الذى تختاره. وقد حافظ رب العباد على حرية الاختيار ولا يمكن المساس بها بأي حال من الأحوال ﴿لا إكراه فى الدين، قد تبين الرشد من الغي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. وأي خطوة فى سلب هذه الحرية على مستوى الفرد أو المجتمع إنما هو اغتصاب لحقها مما يستوجب مقاتلة المغتصب بالسيف كما قال فقيه الأمة ورجل الدولة الفاروق عمر [إني إن شاء الله لقائم العشية فى الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم]. عمر يحذر من اغتصاب السلطة لأنه يعتقد أنه من اغتصب السلطة فقد اغتصب الأمة وجعلها أسيرة له ورهن إشارته بقوة السيف أو بالمراوغة أو التزلف أو الترهيب أو الترغيب وضيع المنهج. محمد رجل الدولة الحكيم كان من ضمن معطياته وشروطه لمكان الدولة أن تكون حدودها آمنة [وليس يقوم بدين الله عز وجلّ إلا من حاطه من جميع جوانبه]. هذه استراتيجية محمد فى اختيار مكان عاصمة الدولة أن تكون آمنة على طول حدودها. وأنتم تركتم حدودكم هملا ومفتوحة وكأن هدفكم هو قتل الطاغوت فقط وليس قيام دولة آمنة وكان يجب أن يكون هذا من أولى أولويات الانتفاضة والكتائب الثورية. وبمجرد انتهاء الطاغوت صار الحال كما هو حال العرب بعد وفاة محمد كما تحكي السيدة عائشة [لما توفي رسول الله ارتدت العرب، واشربت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية، لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر]. والردة عن الانتفاضة وخيانتها هو الديدن الغالب والنفاق (الطحالب والمتسلقين والانتهازيين حسب أوصافكم) هو الظاهر السافر، وتشتت الجمع وتفرقهم والسلبية وابتعاد الثوار وعدم مواصلة النضال حتى الوصول إلى بر الآمان هو كالغنم المطيرة فى الليلة الشاتية فمن يجمع هؤلاء لتستمر المسيرة على هدى ووفق أولويات تنهض بالأمة وتبدأ فى بناء مستقبلها وهذا هو الجهاد الأكبر بما فيه من قهر الذات ووأد الأنانية واغتيال الفردية والعصبية والقبلية والجهوية.
وها أنتم تحتفلون بعيدكم الأول لانتفاضتكم وما حققتموه فى هذه الانتفاضة سوى تغيير العلم وتغيير النشيد وقتل الطاغوت. ولكنكم لم تحققوا هدفا من أهداف الانتفاضة التى ضحى الشباب والشيوخ الرجال والنساء بالغالي والنفيس. قتل الطاغوت ليس هو الهدف والغاية وما هو إلا عقبة فى طريق بناء دولة عادلة قوية حرة يعمها العدل وتعمل من خلال مؤسات وفق تشريعات نافذة وتسودها الأخلاق الفاضلة ويتسارع الناس لمحاسن الأعمال ولافساح المجال أمام الخلق والابداع وتقدموا خياركم وأكفأكم وأخلصكم لقيادة المسيرة والبناء ويسودكم الود والمحبة والوئام وتتعاطفوا مع ضعفائكم وتساندوا فقرائكم وتحفظوا تضحيات أهليكم. ولا أدري إن كنتم ستخوضون هذا الجهاد الأكبر وتوفروا أشراطه ومتطلباته. وأترك الإجابة عن انجازاتكم واستعدادكم لتدارك الأمر لكم وحدكم. وأعلموا أن الله لكم بالمرصاد وأنتم فى اختبار وامتحان لينظر ما أنتم عاملون فلا تعتدوا بأنفسكم ولا تغتروا ولا تغويكم الدنيا ولا يغرنكم الشيطان الرجيم وأعلموا فى الأول والآخر أن النصر على الطاغوت هو بفعل الله وإرادة الله وما أنتم إلا أدوات لهذه الإرادة وتذكروا مه شريق أمه ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
وآخرالقول لإخوتي الثوار فى بنغازى بعد اقتحامهم لمقر الدكتور الكيب بالسلاح واحتجاجهم على صرف رواتب لجنود كتيبة خميس ولم تصرف للثوار رواتبهم كما يقال فأقول. لكم الحق فى طلبكم وأخطأتم الطريق فى طلبه. فالدكتور الكيب ليس من طبعه التمنع عن مقابلة أيا كان وهو فى خدمة الجميع وكان الأولى طلب اجتماع به ومعرفة الأسباب وشرح الموضوع ونقاشه بروية وكل الهدوء. وأود أن أرجع بكم إلى تاريخ محمد. فقد خص أهل قريش وغيرهم بالغنائم ولم يعط الأنصار شيئاً. وأحزن الأنصار هذا التصرف من محمد حتى جاء سعد بن عبادة إلى محمد وقال [يا رسول الله: إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم، لما صنعت فى هذا الفيء الذى أصبت، قسمت فى قومك، وأعطيت عطايا عظاماً فى قبائل العرب، ولم يكن فى هذا الحي من الأنصار منها شيء] فطلب محمد أن يجمع له قومه وخاطبهم قائلاً [يا معشر الأنصار: مقالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها علي فى أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم]، فقالوا [الله ورسوله أمن وأفضل]. وأردف محمد قائلاً [ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟. أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدَّقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار فى أنفسكم فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذى نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكت الأنصار شِعباً، لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناءِ الأنصار]. فكيف لمحمد أن يعطي من أسلم حديثا ويترك من ناصره وآوى المهاجرين وقاسموهم أموالهم وأزواجهم ومساكنهم؟ أليس للأنصار حق فى احتجاجهم؟ ما رضيت لثوار بنغازى هذا التصرف من حمل سلاح وتمنيت لو أنهم اقتدوا بالأنصار.
أصدقكم القول أن الكثير من داخل البلاد وخارجها ومن ضمنهم صديقى العزيز جمال الحاجي المجروح الكسير وهو يشكو همه وحزنهعلى ما آلت إليه الانتفاضة يتصلون بى هاتفيا مشجعين على الكتابة ويسألون متى نهنأ ونرتاح ونفرح بالثورة فقد ضاعت زهرة شبابنا؟ وأرد وأقول أن المخرج عند شباب الوطن عندما يثور لتستقيم الأمور. وأواه على شعب ينكث عهده ويفل غزله ويخرب بيته ! والله إنه لأمر تحتار له العقول. زمرة من مثل رماة أحد تئول إليهم الأمور تأخذهم العزة بالإثم يقفزون عل آلام وأحزان ومآسي الشعب ويهدرون دماء من فى القبور ويمارسون فى وضح النهار خيانة الأمة.
غزوة بدر كانت بداية لمرحلة البناء السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي وتعمَّق اللازمة الأخلاقية وترسخ كرامة الإنسان ومنزلته واحترام حرية اختياره وكينونته. وأنا أشك أن تكون انتفاضتكم بداية لذات العمل والمجد؟
هذا ما يقوله استحضار التاريخ واسقاطه على الواقع فهي كلمة تنبيه وتحذير مشفوعة بكلام رب العالمين وتجربة محمد سيد المرسلين فهل ستتحركون وترجعوا الأمور إلى نصابها أم تدخلون جبا لا قعر له؟ وفقكم الله رب العالمين
مختار الطاهر الغول
طرابلس- ليبيا
2012/2/16