
arefteer@yahoo.com
إن قضية العلمانية وقضية هل الإسلام دين ودولة أم دولة فقط تحدث فيها الكثيرين وتكلم فيها المتكلمين والباحثين والفقهاء منذ أثارها الدكتور على عبدالرازق في القرن الماضي، وأعتقد ولا يساورني أدنى شك في أن الإسلام دين ودولة وأن الإسلام يتضمن مبادئ صالحة لكل زمان ومكان ولكل مجتمع وقوم، ولكن ( وعلى القارئ أن يقف برهة عند لكن هذه) يجب أن نفرق بين علاقة الإسلام كدين بالدولة وكإطار عام يحدد التوجهات والمبادئ العامة، وبين علاقة الإسلام بممارسة السياسة ونظام الحكم، فالمبادئ التي أقرها الإسلام كالحرية والعدل والمساواة والشورى وغيرها مبادئ كلية عامة شاملة، خاصة في مجتمع جميع قاطنيه مسلمون مثل ليبيا، أما مسألة علاقة الإسلام بممارسة السياسة فإن الأمر يختلف لأن هناك أسئلة طرحت ولا زالت تطرح حول هذه الجزئية والتي منها: كيف لنا أن نطبق هذه المبادئ بطريقة علمية عملية مستنبطة من الدين الإسلامي ومن القرآن والسنة عبر قراءة مستنيرة وواضحة وجلية للميراث الفلسفي السياسي الإسلامي؟ وعبر البحث في هذا الكنز على حد قول الدكتور محمود جبريل؟ وهل يمكن فصل الدين عن ممارسة العملية السياسة وبالتالي تكون العلمانية وفق هذا التصور ليس فصل الدين عن الدولة وإنما فصل الدين عن السياسة؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحها الأستاذ منصف المرزوقي في مقالة له بعنوان " الحكم الرشيد والمجتمع الراشد" بتساؤله (( لماذا لم نكن نحن العرب والمسلمين أول من خلق النظام الديمقراطي؟ ولماذا تخبطنا طوال القرون في منظومة فكرية عاقر، تبرّر الحكم الفاسد أو تبحث له عن بدائل لا تقل فسادا، مثل فكرة المستبدّ العادل؟ سؤال قد يكون من نوع لماذا لم نكتشف نحن الرأسمالية والصناعة والكمبيوتر والطلوع إلى القمر والغوص في أسرار الجينات.. إلخ، أهم من هذا السؤال عكسه، أي كيف لا نعود يوماً للتخلّف؟ كيف نصنع ونطوّر أحسن النظم التعليمية, الثقافية, البحثية, الاقتصادية, القضائية, الأمنية, الصحية، لتجنيد الطاقات الذهنية القادرة على خلق الثروات المادية والرمزية والقيمية التي لا تطوُّر بدونها، ولأن تاريخنا المظلم أكبر شهادة على أن طبيعة النظام السياسي هي التي تلعب الدور الأساسي في بناء أو خراب هذه النظم، أصبح هاجسنا الأكبر كيف نبني النظام السياسي الكفيل بالسهر عليها بدل تخريبها))[2]. هنا يكمن في تقديري مربط الفرس.
تدور في هذه الأيام مفاهيم ومصطلحات وقضايا جديدة وغير مألوفة لدى الكثيرين في المجتمع الليبي ولم يعتد الناس على سماعها أو الخوض في مدلولها أو فهم معانيها ودلالاتها حيث لم يسمح النظام القذافي سابقاً بالخوض في مثل هذه المسائل نتيجة لسياساته وتوجهاته ونظريته التي يعتبرها هي الحل الأمثل للمشكل السياسي! والتي أدت في النهاية إلى تجهيل متعمد للمواطن الليبي بأمور السياسة ومصطلحاتها نتج عنه ما نراه اليوم من عدم فهم لرجل الشارع والمتعلم على حد سواء لمعظم هذه المفردات، والتي منها مثلاً العلمانية والليبرالية واليمين واليسار ويمين الوسط .... الخ. كما يتناول الشارع الليبي قضايا فكرية لأول مرة تطرح للنقاش والحوار وتطفوا إلى السطح للتفاعل معها مثل علاقة الليبرالية والعلمانية بالإسلام؟ وهل العلمانية تعنى فصل الدين عن الدولة؟ أم فصل الدين عن السياسة؟ وهل مصطلح علماني يمكن أن ينصرف إلى ملحد رغم الفارق بينهم؟ وأمام ضحالة ثقافتنا السياسية فإن الأمر قد يُشكل على الكثيرين بحيث يصبح الواحد منا لا يعرف كوعه من بوعه ولا صوابه من خطئه ولا أي المصطلحات والقضايا يمكن أن تكون متناقضة أو متوافقة مع الإسلام, وأي منها قد يعتبر كفر وشرك بالله, وأيها قد يعتبر إلحاداً وخروجاً عن الملة.
ولنحاول أن نتعرف بإيجاز مختصر جداً على مشهد الواقع الليبي رغم قصر زمن التحرر الفكري في ليبيا، فهناك تيارات بعضها تشكل وبعضها في طور التشكيل وبعضها يعقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات ويقيم الدعاية الإعلامية لكسب ودّ الناس ومحاولة إقناعهم بالمبادئ والأهداف التي ينتهجونها من أجل الحصول على أصواتهم في أي انتخابات قادمة، فهناك أحزاب إسلامية دينية وليبرالية وعلمانية وديمقراطية ومختلطة ووووو..الخ، فهذا التنوع وهذه التيارات ظاهرة صحية في المجتمعات لأن الاختلاف سنة الحياة، عملا بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)[3]. وقوله تعالى: )وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ([4].
وجميعهم يرفعون ويتفقون على شعارات ومبادئ مثل الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة وتحقيق القيم النبيلة التي تساهم في تقدم ليبيا، وإذا استمعت إلى أحدهم ثم استمعت إلى الآخر تقول بينك وبين نفسك وكأنهم متفقون على نفس الحديث ونفس الشعارات ونفس الأهداف، ولكن النتيجة المؤكدة التي لا لبس فيها (أن جميعهم يسعى إلى السلطة والحكم عبر إقناع الناس)، والسلطة والحكم شأن متعلق ومرتبط بممارسة السياسة.
إذا رجعنا إلى كتب السيرة النبوية وكتب التاريخ لمحاولة التأصيل والاستناد إلى أي مرجعية يمكن أن نستند إليها في تفاعل الإسلام مع السياسة والحكم فسيكون أمامنا أول حادثة في التاريخ الإسلامي والتي حصلت والإسلام مازال غضاً طرياً والرسول e مسجى وجسده الطاهر لم يوارى الثرى بعد، ألا وهي حادثة سقيفة بني ساعدة التي أوردتها كتب السيرة، وقضية " الإمامة " والتي هي من القضايا الشائكة في التاريخ الإسلامي، لا سيما أنها أول قضية حدث فيها خلاف بين المسلمين، وقد أدى هذا الخلاف إلى تفرقهم إلى جماعات، وفرق، ومذاهب، فمنذ الخلافة الراشدة وحتى الآن والصراع بين المذاهب الإسلامية قائم حول من له الأحقية في تولى الإمامة أو الخلافة من المسلمين.
أن الخلاف بين الأمة الإسلامية لم يكن في بدايته خلافا فكريا أو مذهبيا ، وإنما كان خلافا سياسيا بحتا ، ذلك أن الخلاف الذي طرأ على الأمة الإسلامية كان بعد وفاة الرسول e محصورا في تولي الخلافة ورئاسة الدولة ، وقد ذكر الدكتور كمال الدين نورالدين مرجوني في كتابه الفرق الشيعية وأصولها السياسية وموقف أهل السنة منها : إن الكثير من مؤرخو الفرق والملل قد اشارو إلى ذلك[5] ، فقال الإمام الأشعري : " أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم e اختلافهم في الإمامة"[6] . وقال الشهرستاني مؤكدا على أنها المشكلة الرئيسية الكبرى التي تركّز حولها الصراع في ميدان السياسة العملية بين المسلمين : " وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سلّ على الإمامة في كل زمان " [7] ، وقد أكد بذلك أيضا نشوان الحميري الزيدي فقال : "إن أول اختلاف جرى بين الأمة بعد نبيها e، اختلافهم في الإمامة يوم سقيفة بني ساعدة " [8].
حيث نستنتج من هذه الحادثة الكثير من العبر والشواهد التي يمكن الاستفادة منها في ترسيخ بعض المنطلقات والتصورات والتي أهمها:
1 - إن النقاش الذي دار في هذه السقيفة والاختلافات في وجهات النظر بين المسلمين لم يكن في شأن العقيدة فقد كان المهاجرون والأنصار مشبّعين بتعاليم الإسلام فجميعهم يمارسون الدين وأغلبهم كان قريبا من صحبة الرسول e، إنما الاختلاف متعلق بحق من الحقوق السياسية، ألا وهو من هو المرشح لخلافة الرسول e؟ وهذا أمر يتعلق بالسياسة أكثر من تعلقه بالدين [9]، فلم يلجأ أي منهم إلى الاستدلال لا بالقرآن الكريم ولا بالسنة النبوية الشريفة بشأن هذا الأمر، لأنهم يعلمون إنهما لم يبيناه[10]، فاختلافهم لم يتعلق بأي أصل من أصول الدين، ولا بأي حد من حدود الإسلام، ولا بأمر من أمور العقيدة الإسلامية، وإنما كان الاختلاف يتعلق بالسياسة والحكم وهو من يتولى السلطة السياسية بعد الرسولe على اعتبار أن النبوة لا تورّث، وسيكون من ضمن مسئوليات من يتولى السلطة السياسية وأهمها المحافظة على أساس وثوابت وقيم هذا الدين، أتمنى أن لا يحمل هذا الطرح على أنني أدعو إلى فصل الدين عن الدولة ولكنني أدعو إلى عدم استغلال الدين كغطاء لممارسة السياسية.
2 - إن القرآن الكريم لم يتطرق بتفصيل لكيفية ممارسة الحق السياسي، وإن الرسول e انتقل إلى الرفيق الأعلى وترك المسألة للمسلمين لترشيح من يرونه مناسباً للقيام بهذا الأمر، فلم تكن أجهزة الدولة متعددة، والحياة كانت بسيطة، والمسئوليات ليست متشعبة، وآلية عمل النظام السياسي ليست معقدة، فالمجتمع الإسلامي في ذلك الوقت أقرب إلى البساطة منه إلى التعقيد[11].
3- إن أمور السياسة والحكم خاضعة لتطور وتغير وتبدل أحول البشر وطباعهم من زمن إلى آخر على أن تراعى الأسس والمرتكزات والمبادئ العامة التي نادى بها الإسلام مثل العدل والمساواة والشورى وغيرها، ولهذا فإن الإسلام ترك هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه للاجتهاد وإعمال النظر والفكر حتى لا يكون هناك حرج على الأمة في كيفية اختيار من يسوسها، ولا طريقة اختيارهم أو نوعها (وهنا نقصد بطريقة الاختيار: أن طريقة تولية الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم اختلفت فيما بينهم, أما نوعية الاختيار فيقصد بها نوعية الكيان السياسي من إمارة إلى مملكة إلى دولة وهلم جرا), حتى تتحمل الأمة نتيجة اختيارها، ولهذا كما ذكرنا آنفاً لم يحتج أي من الصحابة رضوان الله عليهم لا من المهاجرين ولا من الأنصار بالدين في مسألة ممارسة السياسة والحكم.
4- إن الدين الإسلامي ينقسم إلى عبادات ومعاملات، فالعبادات من صلاة وزكاة وحج وغيرها لا تشكل موضوع خلاف، أما المعاملات والتي منها ممارسة السياسة فهي موضوع الخلاف وبؤرة الإشكال، لذا علينا أن نفرق بين الإسلام كدين وبين السياسة كممارسة وأن نعيد القراءة المستنيرة للفكر السياسي الإسلامي لمحاولة استشفاف واستنباط واستخلاص ما يمكن أن ينفع هذا الوطن، فإذا كانت العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة فهي مرفوضة فكراً وقولاً وعملاً، ولكن إذا كانت تعني فصل الدين عن السياسة فربما يكون لنا حديث آخر....
والله من وراء القصد.
كولالمبور – ماليزيا
17/2/2012
[1] - أحمد لطفي السيد مفكر وفيلسوف مصري، وصف بأنه رائد من رواد حركة النهضة والتنوير في مصر. وصفه عباس العقاد "بأنه بحق أفلاطون الأدب العربي" ولد في 15 يناير 1872 بقرية برقين، مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية وتخرج من مدرسة الحقوق سنة 1894 م. تعرف أثناء دراسته على الإمام محمد عبده وتأثر بأفكاره. كما تأثر بملازمة جمال الدين الأفغاني مدة في استنبول، وبقراءة كتب أرسطو، ونقل بعضها إلى العربية.عمل وزيرا للمعارف ثم وزيرا للخارجية ثم نائبا لرئيس الوزراء في وزارة إسماعيل صدقي ونائبا في مجلس الشيوخ المصري، ورئيسا لمجمع اللغة العربية -فرج فودة .حوار حول العلمانية ص7.
[2] - مقال للأستاذ منصف المرزوقي منشور بالجزيرة نت على الربط التالي :
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A60911F7-E5A8-40E1-8DE8-06C37BD56C00.htm?GoogleStatID=1
[3] - سورة هود: 118
[4] - سورة يونس: 99
[5] - الدكتور كمال الدين نورالدين مرجوني . : الفرق الشيعية وأصولها السياسية وموقف أهل السنة منها، من صفحة 63 إلى 112، جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، 2009.
6- مقالات الإسلاميين ، ص 2 .
7 - الملل والنحل ، 1/24 .
8- شرح رسالة الحور العين ، ص 212 .
[9] . محمد عابد الجابري. 1996 . الدين والدولة وتطبيق الشريعة . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية . ص23 . انظر كذلك محمد مهدي شمس الدين . 1991 . نظام الحكم والإدارة في الإسلام . بيروت : المؤسسة الدولية للدراسات والنشر. ط2 . ص7 ـ 8 ، ص73.
[10] - لقد قدم الدكتور محمد سعيد العشماوي تحليل دقيق وتفسير لما دار في سقيفة بني ساعدة رغم بعض المثالب التي أوردها، خاصة حول الخلاف بين المهاجرين والأنصار . . محمد سعيد العشماوي . 1992 . الخلافة الإسلامية . القاهرة : دار سيناء للنشر . ط2 . ص114 ـ ص 122 .
[11] - محمد مهدي شمس الدين. 1990 . نظام الحكم والإدارة في الإسلام . ص544 ـ 545 .