بقلم البهلول كريم / المحامي
بسم الله والله أكبر والحمد لله وبعد الصلاة والسلام على رسول الله سيد المرسلين وإمام المتقين ، ومن واقع الالتزام بالإسلام والإنسان والثورة والتغيير من أجل بناء مجتمع فاضل قائماً على القسط والعدل وخال من الظلم والحرمان والتعصب والاستبداد والاستغلال والتبعية ، وبمناسبة الذكرى الأولى لانطلاق ثورة الشعب ضد الطاغوت والاستبداد ، فأن الواجب في هذا الوقت الذي تمتحن فيه نفوس الرجال يتطلب منا الوقوف جميعاً صفاً واحداً للدفاع عن الثورة ، ولا يفوتنا في هذا المقام وفي هذا الوقت أن ندعوا بالرحمة لشهداء الثورة الذين عبدوا بدمائهم الطاهرة طريق الحرية ، والشفاء لجرحانا الأبطال ،كما لا يفوتنا توجيه تحية إكبار وإجلال لشباب الثورة الملهمين فرسان النهار ورهبان الليل ، الذين يواصلون الليل بالنهار خلال هذه الأيام في حراسة الثغور ابتغاء سيادة الأمن والأمان ورضا الرحمـن لا للجاه والسلطان والمال ، ولا ننسى كلمة وفاء لكافة فصائل المعارضة الوطنية الذين ضحوا بكل غال ونفيس وأمنوا بأن الكلمة أقوى من السيف ودفعوا ثمن الحرية من خلال فاتورة الدم والسجن والغربة .
ـ في البدء أقول لقد عانى شعبنا عقوداً من ويلات القمع والاستبداد والقهر والفساد والاستغلال والاستعمار ، وابتلى بحكام ظالمين أفسدهم الترف وأضلهم الملق خلال الحقب التي تعاقبت على إدارة الأمور في البلاد بما فيها الحقبة السوداء لما يسمى بالإدارة الجماهيرية التي رأن فيها على الشعب القمع والإرهاب من الأجهزة البوليسية والآلة الإعلامية ، حيث نصبت المشانق في الساحات والميادين للأحرار والشرفاء من أبناء الوطن وتم التعذيب والتنكيل بآلاف الليبيين ، فضلاً عن قتل الآلاف من غيرهم في السجون والمعتقلات ، كما عانى ألاف الليبيين من قسوة المعاناة ومعاناة القسوة في ديار الغربة ، ومما يؤسف له أن كل أنواع العدوان والاضطهاد وكل أفعال التنكيل والقتل، قام بممارستها ليبيين بأوامر من بعض الليبيين ،ولم يألوا النظام الفاشي عن توظيف المال والقوة لخدمة الموالين له ، ومن كان من غير الموالين ناله التنكيل والإقصاء والتهميش ، وأمام هذا فأن الشعب الليبي الذي كابد الظلم والاضطهاد لن يرضى بعد اليوم بحياة المذلة ، فالموت ولا المذلة !
ـ لقد اعتمد النظام الفاشي على منظومة مستهلكة تعيسة مذجنة همها الثراء والعلو في الأرض جعلت على أبصار زمرها غشاوة عن أبصار الواقع الفاسد المعاش للشعب ، فهم في واد وواقع الشعب والثورة في واد آخر ، وزورت تلك المنظومة
الواقع السياسي للمجتمع من خلال التظليل والتعتيم على الحقيقة وجعلت من لعبه ما يسمى بالتصعيد ملهاة للشعب ، وبدلاً من ترسيخ ثقافة الحوار والشفافية واحترام عقول الناس والرأي الأخر، ثم تقنين و تجذير ثقافة الكولسة والتذجين وتغييب إرادة الناس من خلال تأطير فلسفة الذرائع وإخفاء المعلومة واحتكارها عن الناس .
ـ لقد تولدت عن المعاناة التي مر بها الشعب الليبي خلال أربعة عقود من الزمن ونيف جروحاً وآلاماً عميقة في النسيج الاجتماعي لا يمكن نسيانها بسهولة، فكيف نتجاهل دماء الشهداء ودموع الأيتام والأرامل والأمهات ، ومن زج بهم في غياهب السجون والمعتقلات ، ومن ثم نفيهم إلى ديار الغربة أو تصفيتهم جسدياً أو اغتصابهم أو انتهاك أعراضهم وحرماتهم ومصادرة أموالهم ، ومع كل هذا فأننا مدعوون إلى تجاوز الماضي والسمؤ فوق الجراح والآلام والارتفاع عن الأحقاد والضغائن وإحالة أمر كل مذنب موغل في دماء الضحايا من أبناء الشعب وكل مفسد للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للقضاء، فلا عدالة خارج نطاق القضاء ،وليكن شعار المرحلة من أجل التعافي من أثار الماضي البغيض
(( ليبيا للجميع وبالجميع والقانون فوق الجميع )) .
ـــ إن الشعب الليبي وهو يقف على مفترق طرق وأمام منعطف خطير مدعوا في هذا الوقت لتوحيد صفوفه ونسيان أحقاده وترك الماضي المظلم خلف ظهره بعد أن طويت صفحة منظومة الاستبداد والقمع والفساد ، فنحن جميعاً إخوة في الله وفي الوطن والدم .
ـــ إن ثراء الأمم لا يكمن في ثرواتها بقدر ما يكمن في رجالها ، ولكي ننتصر في معارك الحياة ، حرياً بنا أن ننتصر أولاً على أنفسنا وأن نتحمل المسئولية بجدارة فلا نستهين بها ولا نهرب منها ، وأن نواجه أنفسنا ونتقبل مواجهة الآخرين لنا ، فالخطر لا يكمن في وجود الخطأ، بل يكمن في وجود خطأ لا يناقشه أحد ، ومن ثم يجب علينا عند طرق أبواب المستقبل التعامل بإيجابية مع القيم الديمقراطية وتوديع العقلية الاستقصائية من أبجديات الثورة ، والتعامل مع التعددية والتنوع بما ينبغي من الاحترام لكينونة الإنسان ، فالرقي لا يطرق باب أمة من الأمم إلا من خلال سيادة القانون واستقلالية القضاء وحرية الصحافة واحترام الحقوق والحريات المدنية للإنسان ، وتبقى دائماً كرامة المواطن انعكاس طبيعي لكرامة الوطن .
ـ نحن كلنا بشر متساوون في القيمة الإنسانية ،نشرب ونأكل ونتنفس ونقضي الحاجة البشرية بكيفية واحدة، على الرغم مما قد يوجد بيننا من اختلاف في المشارب أو الثقافة أو اللون أو الجنس، فلماذا نضطهد أو نقتل بعضنا البعض ! ولماذا نتعامل مع الاستبداد والفساد أو نساهم في صنع الأصنام البشرية وتأليه الطاغوت ! كما فعل بعضنا في الماضي ، فالطاغية المستبد هو إنسان عادي لا يملك قوة خارقة حتى يستكبر على البشر ويتنكر لهم ، فكيف به يستكبر في الأرض
ويقول أنا ربكم الأعلى ، ولكن لا يمكن لطاغية أن يستعبد شعبه إلا إذا كان في هذا الشعب من هو قابل لعبودية البشر بسبب الجهل أو الطمع أو الخوف ، فالعبودية لله
الواحد القهار لا أحد غيره ، وما على المستضعفين إلا التمرد على واقع الاستضعاف وعدم القبول به.
ـ إن الحاكم الذي يصل إلى السلطة عن طريق إرادة الناس ورضاهم عبر صناديق الاقتراع ، سوف يتعامل معهم بكل احترام كبشر ، أما الذي يصل للسلطة بغير ذلك ، فأنه سوف يتعامل معهم بكل استعلاء ووحشية وقمع كتعامل الذئب مع قطيع الأغنام في الحظيرة ، ومن هنا لا شرعية لسلطة تقفز على كرسي الحكم من خلال السرقات المسلحة أو عبر بوابة التوريث أو عن طريق الفساد أو الرشا أو باسم السابقة في النضال أو من وراء الأبواب المغلقة أو الغرف المظلمة ، علماً بأن شرعية الوصول للسلطة لا تبرر الفساد و اللوصوصية والمحسوبية والوساطة ، والحاكم الإنسان الصالح لا يتعامل مع الولاءات القبلية أو الجهوية ولا يسمح لأحد مهما كان شأنه بمد يده لبيت المال بغير وجه حق، وهو يتعامل مع الرعية بغير حجاب أو حراس ويسمع من الناس مباشرة أن أمكن دون وسطاء ويرفض الحجاب والحراس ، بل ويرفض اختراق موكبه حتى للإشارة المرور الضوئية، ويترفع عن كافة البرتوكولات التي تأجج روح التعالي ، ويقيم في سكن متواضع لا يختلف عن سكن أغلب الرعية ، ولا يحمل بيت المال فواتير الترف والرفاهة من خلال الإقامة في فنادق الخمس نجوم ، ليس هذا فحسب بل يقف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء ، ويكون قدوة وأسوة حسنة لغيره، لا يأمر بشيء إلا وقد سبق إليه ولا ينهي عن شيء إلا وقد انتهى عنه، سبَاقاً لعمل الخير وترك المفاسد ، متأسياً بقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه " لقد وليت عليكم ولست بخيركم ، فأن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أخد الحق له ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخد الحق منه."
ــــ نحن المسلمين لا يمكن أن ننسى مآسينا مهما طال عليها الزمن ، حيث كثيراً ما كنا معبراً للغزاة ومطمعاً للمغامرين خلال أزمنة تحول فيها وطننا إلى غابة تحكمها وحوش ضارية ، فقد مزقونا وشتتوا شملنا باسم الفرق والمذاهب وباسم العشيرة والقبيلة وباسم الله ثارة زوراً وبهتاناً، وحرضوا المذاهب والفرق والقبائل والعشائر على قتال بعضهم البعض، وحولوا المسلمين إلى شعوب وقبائل متناحرة لكي يسهل لهم ابتلاعهم ، ومن أجل تجاوز ذلك يتعين استشراف واستقصاء آفاق معالم المستقبل من خلال المنهج الرباني الذي يواجه واقع الحياة اليوم بكل ما فيه من فساد وتعاسة وشقاء وتيه ، وحتى يتفاعل الإنسان مع هذا المنهج ينبغي أن يكون مترجماً إلى واقع على الأرض معاش تراه العين وتلمسه اليد ويملك تصور كامل للحياة وللغاية من الوجود ولمركز الإنسان في الكون ، الأمر الذي يستوجب الارتفاع بأخلاقنا وسلوكنا وأفكارنا إلى مستوى المجتمع المنشود الذي يعيش في الحاضر والناس فيه سواسية لا محروم ومغبون ولا مستضعف ومهمش ولا قطعان وذئاب ولا عبيد وأرباب، الإنسان فيه مقياس لكل شيء وليس ترس في آلة أو بهيمة في قطيع ، وقيام المجتمع المسلم هذا هو ضرورة بشرية وتلبية صادقة لنداء الفطرة الإنسانية في ساعة العسرة، وإن كانت صرخة الميلاد لا تغني عن آلام المخاض ....
إذاً لنعمل سوياً من أجل أن تسترد أمتنا مكانها الطبيعي تحت الشمس ، فالمجد الذي عرفته الأمة مرة تملك أن تعرفه مرة أخرى لو تفيق !!
" وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " } أل عمران :139 {
والله أكبر ولله الحمد
والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين