التاريخ : 2012-02-16

في ذكرى الثورة .. بقلم/ د. ابومالك العلاقي


" انها الثورة ايها السادة "  تلك كانت العبارة التي علق بها جمهور الحاضرين، وهم يستمعون لخطيب الثورة الفرنسية (روبسبير ) وهو يصدح فيهم: " عندما يصبح الشعب مستعبَدا، ولا يبقى له من مدافع عنه الا نفسه، يكون جبانا ولئيما كل من  يقول له لا تنتفض. فعلى الشعب ان يثور وينتفض عندما تُنتهك كل الشرائع،  ويبلغ الاستبداد ذروته،  ويداس الايمان بالوطن بالاقدام،  وقد حان هذا الوقت".

وذلك ما حدث،  فقد قال الشعب كلمته، وهيهات لغضب الشعب من فتور اذا ما غضب. كانت سنة زاخرة بالاحداث من غير شك،  اختصرت بحق مجمل تاريخ ليبيا الحديث، واظهرت بوضوح للعالم اصالة هذا الشعب،  وشغفه للحرية،  وعززت تضحياته التي دوْنها التاريخ بأحرف ناصعة على مر العصور،  والتي كان اخرها قوافل الشهداء والجرحى والمفقودين خلال الثورة المجيدة.

ان للحديث شجونا، وفي الذكرى عبرة، لمن اراد ان يعتبر، كيف لا وكلنا اكتوى ان قليلا او كثيرا بمساوئ نظام استبدادي لم يكن للفرد فيه اية قيمة او كرامة،  ولكن هيهات للظلم ان يستمر،  فليس بعد الليل الا فجرُ مجدٍ يتسامى. كان ذلك في نهاية يناير من العام الماضي،  حين دُعيت الى المشاركة بورقة علمية في مؤتمر طبي دولي، وكانت فرصة ايضا لزيارة الاهل والاصدقاء بعد طول غياب. لم يكن الحال في الوطن يختلف كثيرا عما كان عليه في اخر زيارة،  فقد كانت تطالعك نفس الوجوه التي تمسك بزمام الامور، مع زيادة في امتلاء بطونهم وانتفاخ جيوبهم، كيف لا وقد تبارى السفلة في تمجيد كبيرهم وتعظيمه وسط دهشة وذهول الحاضرين من العلماء الاجانب، الذين ما تعودوا على هكذا ابتذال. كان احدهم طيلة ايام المؤتمر، يتأبط حقيبة لم ندرِ ما بداخلها ولا سر تأبطه الغريب لها،  حتى لاحظ احدنا انه كان ينفح بعض الحاضرين الاجانب منها بمضاريف مغلقة،  تبين فيما بعد انها كانت عملة من النوع الصعب،  ناهيك عن باقي التسهيلات الاخرى، التي لا تتاح لإبن البلد في هكذا محافل وان علا شأنه،  وهذا غيض من فيض. هكذا كانت تدار الامور في دولة الاستبداد، وتلك كانت جماهيرية المقبور التي لا حدود لكرمها مع من هم من غير الليبيين، اما الليبيون فلا خلاق لهم. وحين وقعت الواقعة رأيتهم حملوا ما خف وزنه وغلا ثمنه ولاذوا بالفرار،  كحُمرٍ مستنفرة،  بعد ان عاثوا في الارض فسادا من تقتيل وتنكيل وسرقة.

كان بعض الفتية يتجاذبون اطراف الحديث،  لا يتجاوز اكبرهم سنا العشرين،  وقد اتخذوا لهم مقعدا، تصادف ان مررت بجانبهم، حين تناهى الى سمعي حديث جرى بينهم، وكان تساءلاً،  اعتقد انه دار بخلد مُعظم الليبيين، من غير متعددي الجيوب والحسابات بالطبع. كان الحديث يدور حول الملايين التي اعتاد مرافقي المقبور نثرها على الطرقات،  خلال زياراته المكوكية الى دول جنوب الصحراء،  ليلتقطها المؤلفة قلوبهم من الافارقة (ولا ادري لِمَ يتألفهم..!). تساءل احدهم بغضب: لماذا لا تصرف تلك الاموال على الشباب الليبي، الذي يعاني الفقر والبطالة والتهميش في بلده؟ لم يتسنى لي سماع باقي الحديث،  فقد ابتعدت لشأني،  وان وددت مشاركتهم تجاذب بعض اطرافه. ادركت عندها ان جذوة مطلب الحرية والكرامة لم تنطفئ عند هذا الشعب الابي،  وانما ازداد اتقادها،  رغم كل المحاولات اليائسة والبائسةلاخمادها،  وان الثورة قادمة لا محالة،  وان ليس امام الطغاة الا الرحيل ان كان هناك بقية من وقت تسعفهم.

سألني احد الزملاء الالمان (وبالمناسبة فأن الالمان شعب لا يتحدث في السياسة الا ما ندر) ان كنا سنشهد سقوطا اخر لآحد الدكتاتوريات في العالم العربي،  ولمْح لليبيا من قريب،  خاصة في ظل السقوط المدوي والمخزي لنظامي تونس ومصر، اجبته وكلي ثقة ان نعم،  وسترى خلال ايام مصداق ذلك. وما هي الا ايام قلائل،  حتى انتفض الليبيون بصدور عارية الا من الايمان بحقهم في الوجود والعيش بكرامة.  كانت لحظات لا تنسى بحق،  امتزجت فيها كل المشاعر الانسانية،  حين شاهدنا شباب طبرق وهم يهدمون نصب كتيبات الدكتاتور الثلاثة،  وحين صمد شباب بنغازي العزّل امام اسوار كتيبة الفضيل بكل شجاعة قل نظيرها،  ثم اكتملت الصورة بالانتفاضة العارمة في معظم مدن وقرى ليبيا، وهي تنادي وتكبر بصوت واحد دعما لبنغازي وشبابها الثائر.

يوم الثاني والعشرون من فبراير 2011 كنت عائدا بالقطار  من رحلة الى برلين،  للمشاركة في مظاهرة امام السفارة الليبية،  تنديدا بما وقع من مذابح يندى لها جبين البشرية ضد شعب اعزل، حين اتصل بي احد الاصدقاء مخبرا ان الطاغية يهذي الان في خطاب متلفز،  فطلبت منه ان يترك هاتفه قرب التلفاز. كانت نبرات صوته المتهجدة،  تنبئ عن احساسه بهزيمته المريرة التي كابر لإشهر طويلة للأعتراف بها، وكان مما جاء في هذيانه:

قال: امسكوهم لا تخشوا لهم بأساً !

تباً، فتباً له قد لج في الكذبِ

 

فرد عليه ثوار ليبيا الاشاوس،  بجُرأة منقطعة النظير،  لم يألفها منذ حين من الدهر غير قصير:

أطاغية البلاد لقد سئمنا

حياة الذل بعد اليوم عار

سفكت دمائنا من غيرِ دية

فكان بكل رابية مزار

فأن ترحل فذلك ما اردنا

وان تأبى خسئت ولن تُجار

سألتَ القوم: من انتم؟ فقالوا

وقول الحق يتلوه انتصار:

بني المختار، انا قد صبأنا

فلم يبقى لذي عذرٍ دِثار

 

وما هي الا بضعة اشهر من الجلاد والصبر والمثابرة،حتى تهاوت اركان عرشه الواهية،  بفعل ارادة وعزيمة الثوار التي لا تلين،  وكان ذلك نكالا من الله لما اقترفت يداه وايدي اعوانه،  في حق هذا الشعب،  ففر الطاغية ومُريدوه،  مذعورين يتوجسون خيفة:

فرّ الشقي الى المفازة عندما

نظر الهزيمة وهي تلوحُعن كثبِ

هو الجرذ حتما لا غضاضة انه

اسرى بليل مُرتجفا من الرعبِ

نحن الذين هدمنا بيت عزته

ثم نسفنا ما قد كان من نُصُبِ

نحن الأعزة والتاريخُ يعرفنا

لاغرو انّا من كُبّارة العربِ

تلك هي نهاية الطغاة على مر العصور والازمان.  هي سنة الله في خلقه، ولا استثناء في ذلك،  ولن تجد لسنة الله تبديلا،  ولكن على قلوب اقفالها. غرتهم امانيهم ونزق تفكيرهم الضيق،  فحسبوا ان لن يقدر عليهم احد،  فلاقى فرعون العصر الحديث مصيرا طالما تكرر تاريخيا،  فالتاريخ يعيد نفسه وان بشئ من الاختلاف بسيط،  حتى لا يدرك اوان وقوعه الغافلون. اما هذا الشعب،  فقد ثار لكرامته ونال حريته بجدارة بما قدم على مذبح الحرية من شهداء،  ولسان حالهم يقول:

 

الا هل يهناء الطاغي بعيشٍ

وقد سفك الدماء بلا اعتذار

الا هل يهناء الطاغي بعيشٍ

ودم الشعب يسأل اين ثار

تواثبت الضياغم في ذراها

فأختباءت ثعالب في الوجار

ففي الزنتان زنتان العروبة

بان الظلم وارتفع الحصار

وطُهرت البوادي وقُراها

ببرقة الهادئة داراً بدار

ومصراتة العصية قد حماها

اسودٌ في الوغى لا تُستعار

اقاموا في العُلا علم بحق

وما خابت اماني من استخار

واليوم،  ونحن نستشعر يوم انطلاق ثورتنا المجيدة،  ونستذكر ما مر به الليبيون من محن طيلة اربعين سنة ونيف، علينا ان نتفق على ان الثورة ليست هدفا في حد ذاتها،  وانما هي وسيلة حتمية للتغيير الى الافضل،  فأذا حدث ان وقع ذلك التغيير،  فقد ادت الثورة اهدافها التي قامت من اجلها،  وعندها علينا ان ندرك ان اوان البناء قد حان،  وان لا سبيل لرقي هذه البلاد الا بعمل شبابها المُجِد والمثمر، الذي ما خان العهد حين العسرة،  فكيف به حين ميسرة،  ولعلكم ترشدون.

د. ابومالك العلاقي

16. 02. 2012

Abomalek.allagi@yahoo.com

  • ( 1 )
    الهنشيري.
    مقاله رائعه جدا... عادت بي لسنة الى الوراء . ما عشناه في تلك الفتره و محاولة ترقب كيف ستكون النهايه...

    اهنئك...
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' الوطن الليبية ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .