
في الذكرى الأولى لثورة التكبير العظيمة
( الجزء الأول )
الكاتب
د . قدري الأطرش
يحتفل الشعب الليبي في هذه الأيام بالعيد الأول لثورة 17 فبراير المباركة ، باعتبارها ثورة فريدة بين ثورات التاريخ المعاصر .. والتي أصبحت جزءاً أساسياً مكملاً لثورات الربيع العربي التي أطاحت بالنظم الاستبدادية الفاسدة والمتجذرة .
هذه الثورة الربانية المباركة أذهلت أحرار العالم ، ودفعت بعض المراقبين الى طرح التساؤلات المشروعة التالية :
نحاول في هذا المقال التذكير بأشهر الحقائق الواقعية التي تقدم إجابة موضوعية لكل التساؤلات المطروحة .... ونستعرض ذلك في مجموعة المحاور التالية :
المحور الأول : أسباب اندلاع الثورة المباركة :-
مجموعة من الأسباب المتداخلة العميقة والأليمة التي أنتجت أحتقاناً شعبياً واسعاً تسبب في تفجير الثورة العظيمة لشباب ليبيا الأبطال التي أذهلت أحرار العالم
من أبرز هذه الأسباب الحاسمة الممارسات الإجرامية التالية :
أولاً التنكيل بالمعارضين الوطنيين الأحرار في الداخل والخارج :
على مدى 42 عاماً مارس الحكم القذافي الدموي المتخلف أبشع الأساليب القمعية والتنكيل ضد معارضيه السياسيين واستهدف بوجه خاص الشباب الليبي الوطني الحر بالاعتقالات والتعذيب والمطاردة والتهجير فأستشهد الكثير منهم تحت أجهزة القذافي الدموية وهاجر البعض الى الخارج لمتابعة المقاومة ، فلاحقهم في الخارج لتصفيتهم ، واقترفت مجموعة من الجرائم في حق أبناء الشعب الليبي ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ، نذكر من أشهرها على سبيل المثال وليس الحصر ، الإعدامات الجماعية التالية :
- إخفاء الأمام الصدر مع رفاقه عام 79 ، والادعاء بمغادرتهم الى ايطاليا .
وذكري هذه المذبحة اتخذها الشباب الليبي المثقف الوطني بالدعوة علي صفحات الفيس بوك الي تفجير ثورة 17 فبراير 2011 .
الغريب أن المنظمات الحقوقية الدولية التي تبدى في هذه الأيام قلقها عن الحالة النفسية لسيف الاسلام القذافي وأوضاع الأسرى من المرتزقة لم تبدى احتجاج على تلك الجرائم البشعة ضد الإنسانية التي ارتكبت على مدى 42 عام ولا حتى على اختطاف مندوبها الأستاذ منصور الكيخيا!.
ثانيا: امتداد الأعمال الإجرامية إلي ساحات الدول الأجنبية :
أستباح الطاغية القذافي نطاق الدول الأجنبية لملاحقه وتصفيه المعارضين الليبيين المقيمين لديها ,وخلق المتاعب للدول التي استضافتهم بافتعال الأزمات معها.
ومن أمثلة تلك الجرائم مايلي :
1_ ملاحقة المعارضين الليبيين الوطنيين الشرفاء في كل الدول التي لجأوا إليها وقد تمكنت أجهزته الاستخبار تيه القمعية من تصفية بعضهم في واشنطن وروما ولندن,وفشلت محاولاته في ألمانيا والبلاد الأخرى.
_تفجير الملهى الليلي في برلين حيث قتل بعض المجندين الأمريكيين , الأمر الذي دفع القوات الامريكيه الي قصف مدينة بنغازي وطرابلس , مما تسبب في سقوط العديد من الضحايا الليبيين (حملة الرئيس ريغن عام 84).
_تفجير الطائرة الأمريكية القادمة من فرانكفورد فوق قرية لوكربي الاسكتلنديه عام 88 , وقد أسفر الحادث عن مقتل 270 شخص من الركاب وسكان القرية.
_تفجير الطائرة الفرنسية في سماء النيجر ومقتل جميع ركابها عام 89.
الأمر الذي دفع كل من بريطانيا وأمريكا وفرنسا الي المطالبة بتسليم المجرمين بقيادة السفاح المدعو عبدالله السنوسي ورفاقه المعروفين للجميع؟ ,ولما رفض الطاغية القذافي ذلك تسترا على مسئوليته الشخصية ,استصدرت الدول المذكورة من مجلس الأمن قرارات فرضت حصارا على ليبيا استمر أكثر من عشره سنوات تسبب في أضرار بالغة للشعب الليبي ولاقتصاد البلاد, ولم ترفع إلا بعد أن تعهد الحاكم القذافي بتسديد 2.7 مليار كتعويضات على أساس 10 مليون لكل ضحية أمريكية.
وطالبت فرنسا بالمعاملة بالمثل قبل موافقتها على قرار مجلس الأمن المذكور برفع تعويضاتها الى مستوى التعويضات الامريكيه , بموجب حكم صادر من المحكمة الفرنسية
_إطلاق النيران من مبنى المكتب الشعبي في لندن. على المتظاهرين الليبين بمناسبة ذكري مذبحة بوسليم . فأصيب بعض الليبيين وقتلت شرطيه بريطانيه فساوموا الحاكم القذافي بعدم إقامة نصب تذكاري للشرطية في الموقع مقابل دفع تعويضات طائله لم تذكر .
والعجيب أن القتلة الذين أطلقوا النيران أصبحوا أمناء وسفراء في حكومة القذافي ؟ وتكبدت خزينة الشعب الليبي دفع التعويضات عن جرائمهم تنفيذا لمخططات قائدهم المجرم القذافي .
هذه التراكمات من المظالم والجرائم البشعة في الداخل والخارج وإنفاق الأموال الطائله من الخزينة الليبية للتخلص من المسئولية عنها .. هي التي أضرت بالاقتصاد الليبي وأساءت إلى سمعة البلاد وتسببت في الاحتقان العميق لدى المواطنين الشرفاء الذين فجروا الثورة المباركة التي أطاحت بحكم القذافي المنهار
فكان ذلك من أهم أسباب تفجر ثورة التكبير العظيمة التي طهرت البلاد من الحكم الإجرامي .
ثالثا": التدخل في شئون الدول الاجنبيه بعمليات التخريب والانقلابات :
- دعم الجيش الأيرلندي المنشق بالأسلحة والأموال عام 84 ,وفي السنوات الأخيرة تفاوض على دفع تعويضات عن مسئوليته في ذلك الصراع ؟.
- التدخل في الصراع في الفلبين بدعم جماعة (أبو سياف) بالأسلحة والأموال .
- التدخل في الصراع التشادي بين قادته (حبري ,ودبي)..؟
- التدخل في الصراع الدائر في نيكاراجوا بين (أوتيجا ) وعصابات (الكونترا) .
- التدخل في شئون السودان بدعم (جارنج) في حربه لانفصال الجنوب عن شمال السودان , وكذلك تحريض ودعم القائد الانفصالي (إبراهيم الخليل) قائد المليشيات في دارفور في حربه على حكومة الخرطوم ..
- وتحريض حكومة (البشير) على القضاء على الحركات الإنفصاليه ؟
- التحريض على الانقلابات في موريتانيا بالمال والسلاح ..وآخرها انقلاب الجنرال (ولد عبد العزيز) على الرئيس (ولد معاوية) .
رابعا: زج البلاد في مغامرات وحدويه ارتجاليه وحروب طائشه فاشله:
- انهيار الاتحاد الثلاثي مع مصر و سوريا.
- تفكك الوحدة مع تونس.
- تخريب الاتحاد ألمغاربي.
- إلغاء منظمه الوحدة الأفريقية واستبدالها بالاتحاد الأفريقي الذي كان يحلم برئاسته بدعوة بعض الرؤساء المرتزقة لتتويجه ملك ملوك أفريقيا وسلطان سلاطينها.
- شن الحرب على مصر انتقاما من الرئيس (السادات ) الذي وضعه في حجمه الطبيعي عام 77.
- خاض الحروب الفاشلة مع تشاد و أوغندا.
- أنفاق مئات المليارات من أموال الشعب الليبي في معدات نوويه خطرة ( مصنع الرابطة ) سلمه في النهاية بالكامل الي أمريكا مقابل استمراره في الحكم وعدم ملاحقته.
كل هذه المغامرات الارتجالية والحروب الفاشلة أضرت بشباب ليبيا وبددت مواردها المالية وشوهت سمعة البلاد على المستوى الدولي, لمجرد نزوات شخصيه والبحث عن زعامة كاذبة . فكان ذلك من الأسباب التي عمقت الاحتقان الشعبي وقود الثورة المباركة.
خامسا: نزهات و تصرفات المخدوع بأنه مفكر البشرية .
- إلغاء القوانين وحرق الموسعات التشريعية والآلات الموسيقية الاجنيبة لتخلص الحكم القذافي الاستبدادي من القيود القانونية التي تحول دون تنفيذه لحريات وحقوق المواطنين الشرفاء ( إعلان زواره المسمى بالنقاط عام 73 )
- استبدال المؤسسات الإدارية من جمهورية ما بعد انقلاب 69 الي جماهيرية يقوم الحكم فيها علي أساس لجان شعبية متخلفة وتشكيلات ثورية غوغائية تمثل الحكم الاستبدادي المتخلف (خطاب سبها عام 77 ).
- حرق مستندات الملكية العقارية في كل مكاتب السجل العقاري بمبنى المحاكم في مختلف المدن الليبية عام 88 , لحرمان أصحاب الحقوق من ممتلكاتهم الخاصة المقدسة التي حرض الغوغائيين على احتلالها تنفيذا لمقولته التافهة ( البيت لساكنه ).. الخ من الترهات الغربية.
- تحريض العمال على الزحف على كافة المصانع الخاصة وتملكها واختيار لجان شعبية لادراتها وتحويلها الي منشات عامه , تنفيذا لمقولة ( شركاء لا اجراء )..غير أن أعضاء اللجان الشعبية المختلفة تنازعوا على سرقتها و تخريبها فأهملوا الإدارة الإنتاج مما أدى ذلك الى إفلاس تلك المؤسسات ... وتسريح من كانوا يعملون بها .
- تحريض اللجان الثورية الغوغائية على مداهمة المتاجر الخاصة للمواطنين والاستيلاء عليها وتحويلها الي حوانيت عامه و خاصة تديرها لجان شعبية , مالبثوا أن سرقوها و أفسدوها !..فعاد الحكم و حولها الي نظام الخصخصة الذي أجهز عليها نهائيا لمصلحة تشاركيات وهمية كاذبة دمرت اقتصاد البلاد.
سادسا: انفاق الاموال الليبية على اوهام الزعامة الكاذبة :
على مدى 42 عام اغدق الطاغية القذافي وأبنائه مئات المليارات من أموال الشعب الليبي على الانتهازيين والوصوليين والمغامرين وأشباه المثقفين والمطبلين , ليجعلوا منه زعيما سياسيا وقائدا اممياً ومفكرا إنسانياً وملك الملوك وسلطان السلاطين وغير ذلك من الألقاب الجوفاء , حتى انه أصبح موضوعا للتنذر و السخرية بدلا من السلطان ( قاراقوش ) الأسطوري .
ومن الأمثلة على تصرفاته الشاذة وألقابه المبتذلة ما يلي :
- دعوته لبعض الرؤساء الأفارقة والانتهازيين ليتوجوه ملك ملوك أفريقيا وسلطان سلاطينها.
- تكليف الشركات الأجنبية بنصب لوحات معدنية تثبت في أحياء كل المدن الليبية تعكس مختلف صورته الشخصية بشكل متحرك ومضيئي !
- ظهوره في اليوم الواحد عدة مرات بجلاليب حريرية غريبة , زاهية الألوان وكأنة إمبراطور أفريقيا الوسطى الأبله ( بوكاسا )
- انفاقه الملايين على طباعة كتيبة الأخضر وترجمة الى عشرات اللغات .. وإيجار اكبر فنادق العواصم الكبرى ليعقد فيها أشباه المثقفين الانتهازيين الندوات لمناقشة المقولات التافهة الواردة في الكتيب الخضر مثل :-
- البيت لساكنه .
- ومن ينتج شي يستهلكه.
- الدجاجة تبيض والديك لا يبيض....الخ.
- حضوره الشاذ والمزعج في القمم العربية والمؤتمرات الأفريقية محاطا بحراسة نسائية مسلحة داخل قاعات الاجتماعات دون أن يعلم احد بموعد وصولة أو مغادرته.
- نصب خيمته المزركشة في العواصم التي زارها بما في ذلك بغداد , وحديقة قصر عابدين في القاهرة وحديقة روما وبون ...الخ , وأحياناً يصحب معه النياق محاكتاً للماهتمة ( غاندي ) الذي كان يصحب معه عنزته!.
سابعا: التصرفات الوقحة والتصريحات البذيئة للطاغية :
- ألقائه لميثاق الأمم المتحدة أثناء خطابة في الجمعية العامة بحضور جميع وفود الدول الأعضاء .
- التطاول على الجامعة العربية في أكثر من مناسبة لعدم قبولها لمشروعة لتحويلها الي لجان شعبية للرؤساء و وزراء الخارجية , وأخرى لوزراء الدفاع ...الي غير ذلك .
- وصفة لبعض رؤساء العرب بخنازير الخليج !.
- وصفة لأبناء الشعب الليبي الشرفاء بالأوصاف البذيئة النابية المختلفة , وصف المعارضين في المهجر بالكلاب الضالة , والملتزمين في الداخل بالزنادقة , والبقية بالرجعيين والجرذان ؟ كل هذه التعابير النابية البديئة ناتجة عن المستنفع الذي نشأ فيه..
- بعد احتكاره للموارد الليبية التي انعم الله بها علي الشعب الليبي الذي عانى من الفاقة والحرمان , وبعد تملكه لترسانة عسكرية روسية رهيبة , وتجنيده للعديد من كتائب المرتزقة القتلة ...دخل الملازم المختل المغرور في مرحلة جنون العظمة فشرع في عمليات التنكيل والقتل والتصفية لكل من يعارضه , الأمر الذي دفعة الي ارتكاب الجرائم الجماعية المذكورة وتبديد الأموال الليبية في شراء ذمم المسئولين والسياسيين المرتزقة , للتغطية على مسئوليته الشخصية عن تلك المذابح . وفي نهاية المطاف دفعة جنون العظمة الي التطاول على الشعب الليبي بوصفه بالجرذان !!. ثم تحديه للثوار الأبطال بظهوره من نافذة وكره في قاعدة العزيزية في ملابس ( جنكيز خان ) ليقول لهم ( من انتم ..من انتم ) فكانت أخر كلماته التي فجرت بركان غضب المقاتلين الثوار فتدافعوا للقضاء علية , ودكوا قواعد حكمة من الأجهزة القمعية المتخلفة واللجان الشعبية الفاسدة وطووا سجل تاريخية الأسود الدموي المتخلف وخلصوا البلاد من جنونه وترهاته وخزعبلاته .
الكاتب
د.قدري الاطرش
16-2-2012
ملاحظه :- نظرا لتعدد الحقائق الواردة في هذا المحور الأول عن أسباب قيام الثورة المذكورة في الجزء الأول من هذا المقال المطول . رأينا من الأفضل مناقشة بقية المحاور المكملة في جزء ثاني أخر في مقال قادم.