
في ذكرى ثورة 17 فبراير :
قامت ثورة 17 فبراير نتيجة لأسباب كثيرة منها الظلم والفساد والتهميش وحتى وصول المعرفة والوعي بما حولنا ساهم كل ذلك وأدى إلى الإحساس بالظلم والقهر الذي كان يعانيه المواطن الليبي ، بمعنى أن الظلم كان واقعاً معاشاً ، ولكن الإحساس بذلك الظلم كان عاملاً مهماً لقيام تلك الثورة ، كما لا ننسى أن انتصار الثورتين المباركتين في تونس ومصر رفع من الروح المعنوية للثوار ، وقوى من عزائمهم .
إن من أهم أسباب قيام ثورة 17 فبراير هو مجموعة من الأخطاء والتراكمات سببها النظام بمعنى أن الظلم والفساد عندما يصل إلى مداه يحدث الانفجار أو الثورة ، لأن السياسات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة كما يقولون ، فالأوضاع في ليبيا كانت سيئة للغاية خاصة أوضاع الشباب من فساد ومخدرات وضياع وتهميش وعدم وجود عمل أو سكن صحي لائق ، فالبطالة كانت نسبتها في ليبيا أكثر من 33% ، والأحلام كانت محبطة فلا أمل في الغد لأن الغد الذي تحدث عنه سيف الأحلام كان زائفاً وخادعاً ، الهدف منه إطالة عمر النظام فقط ، وليس الرغبة في الإصلاح .
تصوروا منزل من منازل الهضبة أو أبو سليم به أكثر من ( 10 ) أفراد ، صغير وغير صحي أو صالح للسكن ، ورب العائلة يتقاضى مرتباً قدره ( 300 ) دينار ، ولا توجد مواصلات إلا بصعوبة بالغة ، كيف سيكون مصير هذه الأسرة ، وكيف ستعيش ، كيف الحصول على الملبس والأكل ؟ وحتى التعليم الذي أصبح بالمال كيف سيتعلم أبناء تلك الأسرة ؟ وما هي تأثيرات ذلك الواقع عليها ؟ .
في ذكرى ثورة 17 فبراير المباركة أود القول :
أولاً : نريد الحجاج بن يوسف ولو لسنة واحدة :
إن الشدة مطلوبة ، وكذلك الضرب بيد من حديد على المخالفين والخارجين عن القانون وأعداء الثورة والدولة ، فإذا لم يحدث ذلك ضعفت الدولة وانهارت ، فاليوم نسمع العجب العجاب من خمور تباع في الطرقات واجتياح للجامعات من قبل جماعات مسلحة لا ندري لأي تيار تنتمي ، لقد كانت شدة الحجاج وقوته في صالح الدولة ، ولم تكن حباً في القتل أو سفك الدماء ، لقد قتل الحجاج رجلاً خالف حظر التجول ، وعند قتله قال له : إن في قتلك صلاح الأمة ، ولذلك وجب توفير الأمن لأنه بدون أمن ليس هناك اقتصاد أو استقرار ، كما يجب تفعيل القضاء بأقصى سرعة ، ورجوع رجال القضاء إلى أعمالهم وتشجيعهم ودعمهم .
ثانياً : نريد إصلاحات .
في ذكرى ثورة 17 من فبراير نأمل من الحكومة والمجلس الوطني الانتقالي تقديم شيء ملموس للشعب الليبي لطمأنته ورفع معنوياته ، وتشجيعاً للمواطن ، وزيادة في دعمه فهو الذي قام بهذه الثورة ومن حقه أن ينعم بخيرات وطنه ، وأن يعيش في ذلك الوطن عزيزاً أمناً مستقراً ليتفرغ للبناء ومن ذلك :
- يفترض التفكير في إنشاء مدينة طرابلس مدينة عصرية وحضارية بمعنى التخطيط والإزالة للمباني المخالفة ، وأن تكون الوزارات رمز الدولة كبيرة ونظيفة ومنظمة ، وأن تكون الشوارع كبيرة .
- إلغاء القروض التي قبل ثورة 17 من فبراير بشكل كامل .
- العمل على إزالة القمامة ، والعمل على تنظيف الشوارع .
- العمل على تعيين الشباب ، وتوفير فرص عمل لهم ، ممن يحملون شهادات علمية بدون وساطة ولا محسوبية فكل من له شهادة مثلاً في مجال التعليم يتجه فوراً لأي مدرسة أو جامعة للعمل بها .
- يجب العمل على إعداد منظومة معلومات لكل مرافق ومؤسسات الدولة عن المواطنين والمؤسسات والسيارات ، وعن كل شيء مهم في الدولة ، حتى بفصائل الدم ، والأمراض التي يعاني منها الليبيون لأنه كما يعرف الجميع لا يمكن اتخاذ القرار الرشيد إلا عن طريق بيانات ومعلومات متوفرة لصانع القرار .
- دعم الشباب بقروض للشباب مثل قروض الزواج ـ قروض الإسكان ـ سلف مالية ـ قروض للغارمين الذين عليهم دين ـ قرض شراء سيارة وغيرها .
- إصدار قرار بمنح كل من يدخل كلية الطب سيارة ومرتب من بداية دخوله للجامعة ، وتوفير المصادر والمراجع العلمية والدوريات الصادرة في العالم له بكل سهولة ، والتشديد على هؤلاء الطلبة في الدراسة بمعنى نعطيه حقوقه كافة ، ونحاسبه على الإهمال والتقصير .
- إصدار أمر بتسهيل الإجراءات في جميع مراكز الدولة ووزاراتها بكل شفافية بدون وساطة أو محسوبية بحيث يتقدم المواطن إلى أي جهة ، ويقدم أوراقه المطلوبة ، ويسجل برقم حسب الترتيب ، ويعطى إيصال للمراجعة ، ويأتي بالنواقص بعد مدة بكل شفافية وحتى بالهاتف .
- الرقابة على الجامعات والمدارس والثانويات للقضاء على المعاكسات وكل المظاهر السلبية التي تهدد الأمن الاجتماعي للدولة لأن أماكن التعليم لها خصوصية ( قدسية ) وبالتالي يمنع أي فعل مسيء لهذه القدسية ، ووضع رجال للأمن بهذه الأماكن لمراقبة كل مخالف للآداب .
- وضع برامج للشباب لترغيبهم وتشجيعهم في طلب العلم لأن التشجيع يخلق الإبداع ، فمثلاً يعلن أن من يتحصل على الترتيب الأول في كل محافظة أو مدينة يتم تكريمه بمبلغ مالي أو سيارة أو إيفاد للدراسة بالخارج كما يجب العمل على تذليل الصعوبات أمام كل طالب من مواصلات جامعية وأقسام داخلية ومكتبات وتصوير أوراق بأرخص الأسعار ، وكذلك الرقابة على الأساتذة بالجامعات ومحاسبتهم على التقصير والإهمال بمعنى معاقبة المسيء ومجازاة المحسن .
- وضع برامج للأساتذة الموجودين بالخارج للمجيء إلى ليبيا والاستفادة من خبرتهم في مجالاتهم بمعنى إذا أردنا أن نتعلم علينا نقل المعرفة والخبرة إلى بلادنا أو نذهب للحصول على هذه المعرفة في بلدانها .
- الاستعانة والاستفادة من خطباء المساجد لتوعية الطلبة والطالبات في الجامعات ، ولو بيوم في الشهر لإلقاء محاضرات عن السلوك السليم والأخلاق لأنه لا علم بدون أخلاق .
- الاهتمام برجال الشرطة وتثقيفهم عن طريق دورات ومحاضرات ودروس لخلق رجل شرطة ورجل آداب .
ثالثاً : وزارة التعليم .
إن التعليم والصحة في أي مجتمع هما أساس التنمية البشرية ، فإذا لم يكن التعليم قوياً ومبنياً على أسس صحيحة خرجت الأجيال كما يقول المثل الشعبي ( كأنك يا بوزيد ما غزيت ) ، وأود القول إن الكثير من المدارس ما زالت مدمرة ، وكان الأحرى والأجدر بوزارة التعليم قبل بداية العام الدراسي الاهتمام بهذه المدارس ، بالطلاء ، وتوفير المقاعد ، وإصلاح النوافذ ، وتوفير الكتب وغيرها .
وأن يرسل إلى كل مدرسة باختيار الأفضل والأصلح من المعلمين عن طريق المدرسين في اجتماع رسمي ليتولى إدارة المدرسة أو الجامعة ، وحتى من ناحية توزيع الكتب هناك الكثير من التلاميذ لم يستلموا الكتب المدرسية فلماذا لم يتم حساب عدد التلاميذ ، وتوفير كتب لهم حسب ذلك العدد منذ بداية العام الدراسي ؟ .
كذلك ما زالت بعض المدارس والجامعات لم تبدأ في الدراسة إلى الآن بسبب سياسة الإهمال والإرباك وعدم المتابعة ، فأين هي وزارة التعليم من تلك الفوضى العارمة في الجامعات والمدارس ، ولماذا لم تضع الحلول لمعالجة تلك المشاكل .
رابعاً : وزارة المواصلات والنقل .
أود القول بهذا الشأن أن هناك الكثير من الحفر في الطرق بطرابلس مما سبب في ازدحام حركة السير ، وإلحاق بعض الأضرار بالسيارات ، كما أعاق الموظف عن الوصول إلى عمله إلا بشق الأنفس بسبب تلك الحفر ، وازدحام حركة السير ، فلماذا لا يتم إصلاح تلك الحفر بالطرق ، ومنحها لبعض الشركات المحلية الليبية لغرض إصلاحها ، وإذا لم تكن هناك أموال يتم الاتفاق معها على دفع مستحقاتها حتى بعد سنتين أو ثلاثة .
كذلك هناك أماكن في بعض الطرق الرئيسة يوجد بها ازدحام لحركة المرور بسبب وقوف بعض الأشخاص بسياراتهم بمحاذاة الطريق بحيث لا يمكن المرور إلا بصعوبة ، وبالتالي يجب معالجة هذه المشكلة لأن منفعة ومصلحة العامة مقدمة على مصلحة شخص أوقف سيارته لشراء الخبز مثلاً ، دون النظر لمصلحة الآخرين .
ويكون الحل بإبلاغ أصحاب المحلات بعدم وقوف السيارات أمام محلاتهم أو وضع لافتة مكتوب عليها ( ممنوع الوقوف هنا ) ، أو وضع أحد رجال المرور بالمكان في وقت الازدحام مثل وقت الظهيرة أو المساء .
خامساً : الإعلام .
أسمحوا لي أن أقول إن الإعلام في ليبيا لا يزال ضعيفاً ، إن كثرة القنوات الفضائية أربك المشاهد ، بالإضافة إلى التكاليف المالية ، ويفترض أن تكون هناك ثلاث أو أربعة قنوات فضائية فقط وكذلك الصحف ، مع العمل على تحسين الأداء ، كذلك لماذا لا تكون هناك شفافية في الطرح ، وأن تعمل بعض القنوات الفضائية لقاءات مع بعض الأشخاص الذين تم القبض عليهم وعملوا مع القذافي ، للتوضيح للناس ما كان عليه النظام السابق من سرقة للأموال العامة وفساد وفوضى وغيرها من الأمور ، التي يجب توضيحها للناس لأن ذلك يؤدي إلى تغيير وجه نظر كثير من الناس ، وبالتالي كسبهم لصالح ثورة 17 فبراير .
والحقيقة إن إعلام النظام السابق عن طريق حمزة وشاكير نجح في الكثير من أهدافه ، بسبب التجهيل والتضليل وتزييف الحقيقة ، وصدقه بعض الناس مثل قصة الحبوب وقصة القتل والتقطيع وغيرها ، فلماذا لا يكون الإعلام الحالي إعلام قوي وشفاف وناقل للحقيقة .
كما أود القول أنه يجب عمل الآتي في مجال الإعلام :
العمل على إنشاء مدينة إعلامية كبيرة متكاملة بالقرب من مدينة طرابلس ، تكون الأولى في الوطن العربي ، وأن يتم إنتاج برامج هادفة ومسلسلات وأفلام من تاريخنا وتراثنا وعاداتنا ، وما يمنع مثلاً من إنتاج مسلسل باب الحارة لهذه السنة في ليبيا دعماً للثورة السورية ، وأن تكون حلقاته عن ثورات الربيع العربي ، والعمل على أن تكون ليبيا مركزاً لإنتاج المسلسلات التاريخية والدينية عن طريق الممثلين العرب السوريين والأردنيين واللبنانيين وغيرهم ، وتشجيعهم للمجيء إلى ليبيا .
جاءت كلمة المستشار مصطفى عبد الجليل في لقاءه بقناة الجزيرة يوم الأربعاء 15 / 2 / 2012 م ببرنامج بلا حدود وافية وبكل شفافية تناولت الشأن الليبي المحلي في المرحلة الراهنة ، والتحديات التي تواجه ثورة 17 من فبراير ، كذلك جـاء القرار بمنح ( 2000 ) دينار لكل عائلة و( 200 ) دينار للأبناء بادرة حسنة من الحكومة الانتقالية ، التي نتمنى لها كل توفيق ونجاح وسداد لخدمة البلاد والعباد ، أدخلت الفرح والسرور على كثير من الأسر الفقيرة ، وهي بشارة خير تخفف بعض الآلام ، وما يمنع أن يصدر بها قرار ، وتكون كل سنة احتفالاً بهذه المناسبة الكريمة .
وفي الختام نقول : نهنئ الثوار الذين صنعوا هذه الثورة ، وبذلوا أثمن ما يملكون من أجل ليبيا وعزتها وكرامتها ، كما نهنئ المجلس الوطني الانتقالي والحكومة الليبية بذكرى الثورة المجيدة ، وكل من ساهم في الثورة ولو بكلمة ضد النظام السابق .
وعاشت ليبيا حرة شامخة .
محمود عمار المعلول
كاتب بالوطن الليبية