الدكتاتور كائن بشري مريض وهش
الدكتاتور ليس غير كائن بشري بائس مثير - في مكان ما - للشفقة والرثاء لحاله .. بقدر ما يثيره على كل صعد التقييم من الادانة والنقمة والاشمئزاز . وهو كائن مأزوم يعاني من مركبات نقص تكونت عنده جراء مروره بتجارب حياتية مفرطة القسوة وبالغة البؤس والاضطراب .. خصوصا في مرحلة الطفولة المبكرة - كما هي الحال في حياة كل من هتلر وموسوليني ومعمر القذافي - فتترك بصماتها السلبية الغائرة على ذاته الواعية ، التي تؤرشفها داخل زوايا معتمة من لاوعيه .. لتتحول الى مركبات نقص تحكم تفكيره وسلوكه في هيئة شخص سفّاح يرتكب ابشع الجرائم دون ان يشعر بتأنيب الضمير ، بدافع لاشعوري للانتقام لنفسه من المجتمع . وهي مركبات نقص شديدة الوطأة تسحق نفسيته وتدمر دفاعاته ، بحيث أنه حين يمارس ارتكابات القمع والعسف والترويع بحق الاخرين ؛ فهو إنما يحاول التخفف من ثقل معاناته الداخلية بتصديرها الى الخارج وفرضها على الجماهير الواقعة تحت رحمته وجبروته .. والتي يدركبينه وبين نفسه انها هي من صنعه بخطئها في تقدير الأمور عند انعطافة حادة من انعطافات التاريخ ، تماما كما يدرك ان تلك الجماهيرهي من يملك اعادته الى حجمه الطبيعي فيما لو قررت استعادة ارادتها عند نقطة ما من تطور الأحداث ، ولذا فهو يحاول تأخير موعد ذلكالاستحقاق التاريخي بكل وسائل واليات القمع والالغاء . وبقدر مأساوية عناصر تاريخه الاجتماعي المؤثرة في تكوين شخصيته .. بقدر ما يكون أسيرا لمركبات النقص التي تنعكس في سلوكه المرضيّ الشاذ ، حتى قد يبلغ من الشذوذ النفسي حدا خطيرا من الانحراف يعبر عن شخصية سيكوباثية مشحونة بكم مرعب من مشاعر العداء والحقد ونزعة العنف الأهوج الموجهة ضد الآخر وضد المجتمع ، مع التمحور حول الذات المتورمة (جنون العظمة) وتقلب الأطوار . على ان نموذج دكتاتورية معمر القذافي هو - في تقديري - أسوأ ماعرفه تاريخ البشرية من دكتاتوريات .. حيث تداخل الاستبداد مع الفساد موجها كل عدوانيته المَرضيّة لإذلال وافقار الشعب الليبي - خلافا لهتلر وموسيليني - لسبب مفهوم هو كونه نتاج أسوأ ظروف النشأة والتكوين من عوز وشظف عيش وبداوة وتواضع نسب واضطراب بيئة عائلية وذيلية وضع اجتماعي .. من جهة ، ولكونه لا يتوفر على امكانات تصريف عدوانيته ضد الخارج .. من جهة أخرى ؛ فكان سلوكه الاستبدادي في الحكم سلوكا تعويضيا عن كل شعوره الباطن بتلك الدونية المركبة ، استهدف الشعب الليبي لاربعة عقود لم تنته الا بانتفاضة فبراير المجيدة .
مات الملك .. عاش الملك
على نهج معمر القذافي - كبيرهم الذي علمهم السحر - وبنفس أسلوبه الديماغوجي وهذره غير المسؤول .. في تسفيه الآخرين واتهامهم بالتآمر والخيانة ؛ يتكلم السيد المستشار مصطفى عبدالجليل . . مقتنعا - فيما يبدو - بما يقول او محاولا الاقتناع والاقناع به
فمثل ما كان العقيد معمر القذافي يعتبر نفسه رمزا يختزل الوطن في ذاته المتورمة ، ويعتبر أنّ اعضاء مجلس قيادة ثورته وضباط تنظيمه الوحدويين الاحرار هم هبة الله لانقاذ ليبيا من براثن الامبريالية والجن الازرق ؛ فإن المستشار مصطفى عبدالجليل يعتبر نفسه هو بالذات ضرورة تاريخية لا غنى عنها ، ويعتبر أنّ مجلسه الانتكاسي – مجهول الهوية – هو الضمانة الوحيدة للحيلولة دون وقوع حرب اهلية يأكل فيها الليبيون (الغوغاء الدهماء العوام اولاد الستين ....) بعضهم بعضا .
ومثلما كان (الأخ) القائد الرمز العقيد معمر القذافي يتحدث في ملتقيات الضباط الاحرار واللجان الثورية والفعاليات الشعبية الخ (قداش بنعد) مسبغا عليهم صفات الريادة والطليعية والخبرات النادرة ؛ فإن (سيادة) السيد المستشار الضرورة مصطفى عبدالجليل تحدث حديثا – وحديثا هذه ظرف زمان وليست مفعولا مطلقا – في ملتقى مجالسه المحلية ، التي عينت نفسها بنفسها ، وقفز الى عضويتها (القواعد مع حريمهم) في بيوتهم المكيفة بعيدا عن ميادين معارك التحرير .. من كل متسلق ومنافق ونكرة ومتلون ومشبوه ؛ فأسبغ عليهم سيادة المستشار شرعية لا يملكون مثقال ذرة منها ، وأضفى على شخوصهم وممارساتهم حصانة ضد الانتقاد والمساءلة والشك والتحفظ ؛ مؤكدا على ان من يحاولون النيل من شرعية المجالس المحلية (غير الشرعية بالمطلق أصلا) او من شرعية اعضائها (بصحة البهت / او بصحة الوجه) هم متآمرون واعداء لثورة فبراير .. حتى ولو كانوا هم بالذات من فجروا انتفاضة فبراير ، وهم من كانوا وقودها ، وهم من لازالوا يحملون السلاح منتظرين منها شيئا آخر غير ما تفوّه به السيد المستشار / الضرورة التاريخية .
وبالنتيجة .. فإنه كما لم يتورع (الأخ العقيد) عن تعديل قانون العقوبات ليضفي على نفسه حصانة الأباطرة المقدسين .. وسنّ عديد القوانين المصادرة للحريات ليحصن نظامه الفاسد ضد اية ممارسة ديموقراطية .. فليس من المستبعد ابدا ان يأتي يوم يكرّس فيه (سيادة المستشار) شخصه بمثابة ذات ملكيّة مصونة .. وخطأ أحمر يحظر الاقتراب منه ، ويعلن أن (جماعته) هي صاحبة الفضل في انتفاضة فبراير ، وأن الشعب الليبي مدين لها وله بالولاء والطاعة .
والمصيبة او المفارقة هي ان الفرق بين معمر القذافي ومصطفى عبدالجليل .. هو ان الأول عمل فعلا وخطط وقاد ثورة او انقلابا او حركة تغيير انقلابي (سمها ما شئت) جاء بواسطتها الى السلطة (يعني فيه ما فيه) .. بينما الثاني لم يفعل شيئا سوى انتهاز فرصة قيام الثورة ليركب ظهرها ويتشعبط بكرسي السلطة فقط لا غير (يعني ما فيهاش).
والعبرة هي ان هؤلاء الرجال الجوف يظنون ان الكراسي هي من تصنع الزعماء والقادة .. وهي مناط الشرعية ، وليس الانتماء لخيارات الشعب والاصغاء اليه والامتثال لارادته والكفاءة والاخلاص في خدمته . وهكذا فإنه في غياب فاعلية القوى الوطنية الديموقراطية على مسرح الأحداث .. يصنع هؤلاء الرجال الجوف أكذوبتهم ويصدقونها ويفرضونها بحكم الأمر الواقع ثم بقوة القانون .
فلا يلذغن الشعب الليبي من نفس الجحر مرتين .
هل من جمعة للغضب .. لا للاستعطاء ؟
واقعة صادمة - للشعور الوطني والانساني - من وقائع تراجيديا مسرح اللامعقول التي تجري أحداثها في الحياة اليومية للشعب الليبي .. وليست من مشاهد هُتاك تلفزيون الواقع الممسوخ التي تبثها فضائيات اعراب البترودولار . واقعة واقعية صادمة .. تعكر المزاج ، وتحوّله من حالة الهدوء الحذر الى حالة الغضب الشديد : شاب عشريني خجول يطرق باب بيتي صباح يوم جمعة مضى - وربما كان قد طرق او كان سيطرق ابواب بيوت أخرى - ليطلب مبلغا هزيلا من المال يسد به الرمق ويدفع منه لركوب تاكسي ميني باص الإيفكو ، الذي تضاعفت تعرفة ركوبه عند اشتداد ازمة نقص الوقود بعد فبراير ، ولم تعد - كما لم يعد غيرها من الأسعار - الى ما كانت عليه قبل فبراير .. حتى بعد توفر الوقود وتخفيض اسعار بيعه تحميلا على خزانة الدولة (صدقوا او لا تصدقوا لكنها الحقيقة) هذا يحدث في بلد يجد حكامه الجدد في انفسهم فائضا من مخزون الصفاقة وبرودة الدم ليدعوا بأنهم مؤهلون لقيادة مرحلة الانتقال من الثورة الى الدولة - رغم أن الثورة لم تكتمل بعد أصلا - وهو يحدث في بلد يتبجح ساسته الجدد بأن حقول النفط عادت لتضخ مليونا وثلاثمائة الف برميل للتصدير يوميا .. بلد يستفزنا ساسته الجدد بتغيير الوان بدلهم الانيقة الثمينة تبعا لأوقات النهار والليل والمناسبات (بالمناسبة : كان الراحل الكبير هواري بومدين لا يملك سوى بدلة واحدة .. فيا لمفارقات الدهر وسخرية الايام) . والذي ضاعف عندي حالة الغضب من سلطة الأمر الواقع والسخط عليها هو ما اكده لي الكثيرون ان الشاب العشريني الخجول طارق باب بيتي صباح يوم جمعة للاستعطاء ليس حالة فردية معزولة .. بل هو مجرد عينة عشوائية فردية من ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار .
أسألكم .. ولا اخاطب (المبرراتية) : هل كان لذلك الشاب العشريني - أو لغيره - ان يذل كرامته ويتخلى عن عزة نفسه لو ان حكام ليبيا الجدد (المخمليين) ينتمون أو يشعرون بالانتماء حقا - ولو بالحد الأدنى - الى انتفاضة فبراير الثورية التي اطاحت بعرش الطاغية القذافي وسلطة سياسات الافقار والتجويع القذافية ؟ هل كان لمثل ذلك الشاب العشريني ان يذل كرامته في استعطاء الناس - أعطوه أو منعوه - لو لم يكن حكام ليبيا الجدد من الصفاقة بما لا يتورعون معه عن تكبيد خزانة الدولة الليبية مئات الملايين مقابل اقامتهم في الاجنحة الرئاسية بفنادق الفايف ستارز .. كالركسوس والرادسون بلو؟ وهل كان لذلك الشاب العشريني أو لغيره من آلاف الشباب العاطلين عن العمل أن تطحنهم الحاجة لو ان ساسة وحكام ليبيا الجدد من الراسماليين ودعاة الراسمالية يملكون ذرة من الوطنية او حتى من الوعي السياسي ليقتدوا بالراسمالية الاجتماعية الاوربية .. فيقرّوا منذ البدء صرف منحة البطالة للعاطلين عن العمل ؟
ألا تبا لكم جميعا يا ساسة وحكام ليبيا الجدد المخمليين فردا فردا ، فما انتم سوى طحالب ونباتات طفيلية متسلقة كأسلافكم اعضاء ميلشيا اللجان الثورجية في جماهيرية قذافيستان الغابرة ، وتبا لي إذ رأيت الاكتفاء بالقلم والكيبورد وسلمت الكلاشن الذي اشتريته بدنانيري الى ثوار الجبل ، وتبا لذلك الشاب المستعطي الذي يذل نفسه بالاستعطاء ولا يتوجه ليقتحم على ساسة وحكام ليبيا المخمليين الجدد خلوتهم في فنادق الفايف ستارز .. لينتزع ما في جيوبهم عنوة واقتدارا . وبراءة منك ايها الشعب الليبي المنكوب المغبون لو لم تأت بأفقر فقراء الثوار الى سدة الحكم بدلا من هؤلاء الطواويس الجوف المتزاحمين على السلطة كتزاحم الضباع الجائعة على جيفة سائمة نافقة .