
لم يأت انتصارنا على الطاغية الهالك القذافي محض صدفة، بل أتى بعون الله سبحانه وتعالى الذي علم مدى الظلم والعدوان الذي تعرضنا له من قبل ظالم مستبد لم يأل جهدا في نشر التآمر وغرس الأحقاد بين أفراد شعبنا. مازال الكثيرون- وأنا منهم- يحسون وكأن هلاك الطاغية القذافي كان حلما جميلا ليس من الواقع في شيء وأننا نعيش في خيال محض! فقد حرص الطاغية حرصا شديدا على تثبيت أركان حكمه بالحديد والنار، ولجأ إلى أشد صنوف الإرهاب في قمع أي بادرة اعتراض على حكمه البائس.
ومن هنا أقول إن ما تعرض له معسكر النازحين المنحدرين من تاوغاء في منطقة جنزور منذ أسبوع تقريبا هو من الظلم بل أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول هو من الإرهاب حتى وإن كان اقتحامه- إن صحت الرواية- من أجل اعتقال مطلوبين، أو أن الذين قاموا به من أكثر الثوار بلاءً وبطولة إن كانوا حقا من الثوار.
إن كان هناك مطلوبون للعدالة فالقبض عليهم هو من مهمة وزارة الداخلية وليس من حق أولئك الذين قدموا في سيارات وأسلحة فأرعبوا سكان المعسكر من نساء وأطفال وشيوخ، وتسببوا بمقتل خمسة أشخاص في عملية الدهم هذه. ووزارة الداخلية هى الجهة الوحيدة الملزمة بتنفيذ هذا الاعتقال بطريقة حضارية مثلما تفعل كل الدول الحرة المراعية لكرامة الإنسان وحقوقه. وربما قال قائل: أنت لا تعرف ماذا جرى من قبل أهل تاورغاء ضد أهل مصراتة، فأقول إنني على دراية لا بأس بها بحجم الإجرام والمذابح التي تعرض لها أهل مصراتة الكرام على أيدي عصابات الطاغية والذين شكل أهل تاورغاء نسبة كبيرة منهم، وقد كتبت عن هذه الجرائم بعد أن أقضت مضجعي ومضاجع الكثيرين وقت حدوثها، ولعل إحدى هذه الجرائم كان خطف أحد أحب الناس إلى قلبي وهو الدكتور أحمد رمضان زرموح، ذلكم الحيي التقي الذي شرفني الله وأسعدني بالتعرف عليه وإخوته في الله ردحا من الزمن ، ذلكم الثائر الشجاع الذي ترك زوجته وهى حامل بولده الثاني ليلتحق بركب ثوار مصراتة الأباة فيقارع عصابات الطاغية الهالك إلى أن خُطف في ساحات الوغى ولا حول ولا قوة إلا بالله. فأدعو الله أن يرده إلى أهله ردا جميلا، إن كان في الأحياء وإن كان في الأخرى فأدعو الله أن يتقبله شهيدا ويتقبل كل الذين قتلوا من أهل مصراتة ومن ثوار ليبيا جميعا وهم يخوضون معركة الاستقلال المجيدة شهداء عنده. لكن بالرغم من هذا كله لا ينبغي أن يدفعنا الألم والأسى لما حدث من جرائم بشعة في مصراتة الأبية أن نعمم أحكامنا ضد أهل تاورغاء، ونأخذ البريء بجريرة المجرم، فديننا العظيم قد بين لنا هذا المنهج، كما قال تعالى:
(أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (*) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (*) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (*) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (*) ).
ومن هنا لو أن تسعين في المئة من سكان تاورغاء شاركوا في جرائم ضد ثوار فبراير، لاقتضت العدالة منا أن نعامل العشرة في المئة الآخرين معاملة إنسانية خالية من أي مظهر من مظاهرالإرهاب، ولو كانت الإشارة بحديدة من أجل التخويف كما ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، فما بال بعضنا يجعل هذه النصوص وراء ظهره فيهاجم بالسلاح الثقيل معسكرا فيه من فيه من الرجال والنساء والشيوخ الأبرياء من أجل بعض المطلوبين؟ كما ذكرت من قبل علينا الآن مساندة الحكومة فلا نسمح بجهة غيرها تعتقل وتطارد مطلوبا – وأن يتم الاعتقال بناءً على أدلة دامغة وليس بسبب شبهات أو أسباب واهية -أيا كانت وجاهة مسوغاتها. إن أي عمل خارج نطاق أجهزة الدولة في هذه المرحلة الحساسة هو إسفين يدق في قلب مجتمعنا، وعقبة كبرى توضع في طريق مسيرتها المباركة.
لقد أخبرني أخ فاضل أثق في صدقه أن إماما من أهل تاورغاء اختطف في طرابلس لأن لقبه الأخير هو(القذافي) ولا يعرف مصيره مع أن الذين يعرفونه يؤكدون استقامته وعدم ذهابه إلى مصراتة أو تاورغاء إبان الثورة المباركة، فمن هم الخاطفون وكيف يسوغون اختطافه؟
ليتذكر كل المظلومين الذين شاركوا في ثورتنا المباركة ضد الطاغية الظالم الهالك أن الجبار الذي نصرنا عليه لم يعطنا ضوءاً أخضر لفعل ما نريد بسبب ما تعرضنا له من ظلم أو لأننا حققنا انتصاراً عظيما نادراً في تاريخ الصراعات بين الظالمين والمظلومين. لنتذكر أنه كما نصرنا سينصر علينا غيرنا حين نحيد عن طريق العدل فنرتكب ظلما وإرهابا أيا كان قدره وأيا كانت قبائل ضحاياه وجنسياتهم وتحت أي مسوغ.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا... فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبه... يدعو عليك وعين الله لم تنم
ثورة فيراير المباركة قامت من أجل إنهاء الاستبداد والظلم وإرساء دعائم العدل وأي انحراف عن هذا السبيل ستكون عواقبه وخيمة مدمرة، ونحن يجب أن نكون من أكثر شعوب الأرض كراهية للظلم بعدما تجرعنا من كأسه علقما حتى الثمالة . إن أعظم عامل من عوامل المحافظة على بلادنا من الفتن وشر الأشرار هو التمسك بالعدل والعض عليه بنواجذنا في حالة الرضى والغضب ومع من نحب ومع من نكره، ومن مظاهر هذا العدل أن نمنح الأبرياء من أهل تاورغاء الذين لم يرتكبوا أي جريمة ضد ثوارنا وليس هناك دليل على مساندتهم لإرهاب عصابات القذافي، مساكن لائقة، ليعيشوا فيها كما يعيش أي ليبي حر كريم لا أن يعيشوا في معسكرات للنازحين ويعاملوا معاملة المشبوهين. وليتذكر ضحايا إرهاب وإجرام الهالك القذافي الذي ساهم فيه كثيرٌ من أهل تاورغاء أن الذين فلتوا من عدالة الأرض منهم بسبب عدم وجود الأدلة على مشاركتهم فيه أن عدالة السماء لم تغفل عن أي عمل أو قول إجرامي ارتكبوه ولو كانت مجرد نظرة مرعبة أريد منها تخويف معتقلي ثوارنا حين وقعوا في أيديهم. إن الذين لم يرتكبوا جرما من أهالي تاورغاء مطالبون بتسليم كل من ارتكب جريمة ضد ثوار بلادنا، وعدم حمايتهم أو التستر عليهم. ولعله مما يرأب الصدع ويرقع الخرق أن يتبرأوا مما ارتكبه بنو مدينتهم من جرائم ضد أهل مصراتة. إن جرائم الذين أجرموا من أهل تاورغاء لم يقتصر على الجانب المادي الفظيع، بل تعداه إلى الجانب المعنوي حين علم أهل مصراته أن الذين طعنوهم من الخلف هم من جيرانهم الذين آكلوهم وشاربهم وتعاملوا معهم معاملة الأخ لأخيه والجار لجاره لعقود كثيرة، ولعل الوطأة المعنوية لطعنة الظهر هذه كانت أشد من الدماء التي أهرقتها.
أدعو الله أن يجعلنا من محبي الحق والعدل الذين يسعون لإرضائه غير مبالين برضى الراضين أو غضب الغاضبين، وأن ينشر السلام والخير في ربوع بلادنا ويحفظها من شر الأشرار والفتن ما ظهر منها وما بطن.
سالم بن عمار