
حكم قالتها أفواه البسطاء
علي عمر التكبالي
قال "السي" الحكيم وهو يمحي "اللوح" بالطين:
إن رأيت كلبا يهز ذيله وينبح، فهو يريد أن يبهج السيّد.
وإن رأيت حمارا ينهق في الغسق، فإنه قد رأى شيطانا.
وأن رأيت خنزيرا يأكل ولا يخور، فإنه أخرس.
فإن صادفت كلبا في الغسق ينبح، وحمارا ينهق، وخنزيرا لا يخور فأنك يا بني أمام "السيد الشيطان الأخرس."
وقالت "خالتي صلوحة" التي أمتعتنا بحكاياتها أيام الصغر:
يقول أصحاب العيون الضيّقة أنك إذا شعرت بطعنة في ظهرك، فاعلم أنك في المقدمة.
كبرنا وعرفنا أن الطعنات قد تدخل قلبك من كل مكان، فأيقنّا أن الذي يطعنك من الأمام وهو يلبس قناعا إنما يخاف من عيونك.
وعن سيدة ثرثارة إسمها " خالتي حلومة" تعلمنا أن المال يشتري السعد والبخت، ويسخّر قارئات الكف فتنزل على اليباب مطرا غزيرا، ولكن حين كبرنا عرفنا أن المال الحرام ينبت حشفا تدسّه الريح في شجرة صبار، ثم تذروه حسكا في أفواه الدهماء فيتأتؤون دون فهم كالببغاء.
وقالت لنا زوجة "الحاج مختار" البدينة وهي تلوّك "لبان الحج" أن من يبيع نفسه للصديق من السهل أن يبيع نفسه للعدو. وأن من يبيع صديقه يشتريه عدوه. وأن من يكذب يلتوي لسانه فيقلّ إحسانه، وأن الخسيس إذا جاء النور إختفى، وإذا ظهر الحق إنتهى.
أما الحاج "الصديق النوّال" فقد تنحنح ونظر يمنة ويسرة ثم قال:
الرجال معادن!.
ضحكنا، فقد كنّا نظن أن المعدن من الحديد، وأن الرجال من اللحم، ثم عرفنا أن الكثير من المعادن تبرق بلا وميض. وأن الكثير من الرجال تومض بلا بريق، وأن الفرق بين الحديد واللحم كالفرق بين الرجل والرجل.
في كهف ينبعج من خليج على الشاطيء وجدت هذه الكلمات.. لعلّ صياد خطها ذات يوم وعجز المد أن يمحوها:
من قال أنك آمن، وعيونك كالسحلية في قفاك؟
ومن قال أنك سعيد، والدمعة تكاد ترتفع إلى عينيك؟
ومن قال أنك كاتب، والدم لا ينزّ من يراعك؟
ومن قال أنك مبدع، وأنت تسير في رحاب الزحمة؟
ومن قال أنك أصْلي، والقناع وجهك؟
ومن قال أنك حر، ورئة غيرك هواؤك؟
ومن قال أنك إنسان، وأخوك بين أسنانك؟
ومن قال أنك لست حيوانا، وأنت تسبّ بلا صوت؟
ومن قال أنك رجل، وأنت تنحني كي ترضي مولاك؟
ومن قال أن الله معبودك، وأن تركض فوق الورق الواهي؟