
معرفة الهدف والمهمّة المطلوبة هي المحدّد الأساسي لرسم السّياسات والخطوات التّنفيذيّة للوصول إليها.. هذا ما أعتقد أن جميع المخطّطين الاستراتيجيين يعرفونه..
إذا كان الهدف من الانتخابات اختيار أعضاء المؤتمر الوطني العام كما حدّدتها المادّة 30 من الإعلان الدّستوري المؤقّت، فإنّ الغاية الأساسيّة لهذا المؤتمر هي " الإشراف على صياغة دستور للبلاد من خلال " اختيار هيئة تأسيسيّة لصياغته "،،، طبعاً إضافة إلى اختيار " رئيس للحكومة " وبالتّالي وسأتوقّف هنا عند المهمّة الأخطر وهي " الدستور"،،،
هذا الدّستور سيحدّد " شكل النّظام وطبيعته ومعاييره وآلياته وسلطاته....الخ،، إذاً سيرسم الخطوط العامّة ويضع القواعد الأساسيّة لمستقبل البلاد... وحيث أنّ ليبيا للجميع وبالجميع ومن أجل الجميع، كما يردّد جميع السّياسيين والنّشطاء والخطباء من كلّ الألوان والأطياف،، إذاً يجب أن يشارك " الجميع " في هذه العملية،، وبالتّالي يجب "تفصيل" قانون يضمن أن يكون " الجميع " ممثّلون في هذه العملية،، والسّؤال: هل قانون الانتخابات الذي أقرّ أو الذي سبق يضمن فعلاً تمثيل " الجميع " ؟؟
فيما أعتقد الجواب: لا !!.
فلا ضمانات " قانونيّة " لتمثيل :
- الشّباب وهم يمثّلون أكثر من 65% من السكّان.
- النّساء ونسبتهنّ تفوق الـ 50%. من السكان.
- الأقليّات الثّقافيّة وتقارب نسبتهنّ الـ 10 إلى 20%. من السّكان.
- ذوو الإعاقة ونسبتهم تزيد عن 10% من السّكان، وفق تقديرات الأمم المتّحدة.
- المناطق المهمّشة والفقيرة ...
- المدن الكبيرة والصّغيرة والأرياف والمناطق الدّاخلية والصحراوية...
- هذا إضافة إلى الفئات المهنية.... الخ.
لماذا كلّ هؤلاء.. لأنّ لديهم حقوقاً يجب ضمانها وكفالتها في " دستورهم "..
وإذا لم يكونوا موجودين وموجودات فمن سيدافع عنها ؟؟
ما حكّ جلدك مثل ظفرك !!
وبالتالي هذا القانون وفقاً لذلك لا يضمن " تمثيل الجميع ومشاركة الجميع من أجل ضمان حقوق الجميع ".
فـ "الأخوان" يريدون أن يضمنوا لتوجّهاتهم الأغلبية ليرسموا ويحدّدوا مستقبل ليبيا بما ينسجم معها، وهذا حقّهم.
و"الديمقراطيّون" يريدون بدورهم أن يكون الدّستور القادم قاعدة لدولة ديمقراطية تعديدية وفقاً لرؤاهم، وهذا حقّهم أيضاً.
و"الجمهوريّون" يريدون ذات الأمر، وهذا حقّهم أيضاً..كذلك "الملكيّون" ودعاة "الخلافة" و"الإمارة" و"الفيدرالية",,,, كلّهم لهم الحقّ في ذلك...!!
والواقع العملي وسنوات التصحّر السياسي والقحط الفكري... لا توفّر الأرضية " الديمقراطية " لصراع سياسي "عادل "... والنّتيجة تكاد تكون " معروفة " مسبّقاً... إذاً ما العمل ؟؟؟
هذا هو السّؤال الذي يجب أن يُعمل التّفكير فيه، لضمان عدم هيمنة أيّ تيّار أو فكر أو جماعة على تقرير مصير وطن يدّّعي الجميع أنه للجميع وبالجميع ومن أجل الجميع !!!.
إذاً ... كيف نضمن ذلك ؟؟،
وكيف نضمن صياغة دستور يعطي لكلّ هؤلاء وآخرين حقوقهم في المشاركة السّياسيّة وفي رسم السّياسات وصنع القرار وتنفيذها ؟؟.
كيف نضمن صياغة دستور " يرسم بدقّة قواعد الصّراع واللّعبة السّياسيّة " بحيث يضمن عدم عودة " الاستبداد من النّافذة بعد أن طرده الشعب الليبي من الباب " ؟؟
كيف نضمن ألاً تتحوّل صناديق الاقتراع ونتائجها إلى أداة " لاستبداد الأغلبية " وقمع الأقليّة ؟؟؟
أسئلة كثيرة تحتاج من "الجميع" إبداء الرأي "مع الجميع" و"من أجل الجميع" !!
ولكن ألا تعتقدون أن التّفكير " المنطقي" و"العملي " و" الحقوقي " يقتضي وضع الحصان أمام العربة أوّلاً، كي نضمن انطلاقها ؟؟.
بعبارة أوضح... أليس من المفترض أن يحدّد "الشّعب" الذي يدّعي الجميع - ولا أستثني أحداً - أنّهم " يسعون لمصلحته" و"يناضلون " من أجل حقوقه !!، كيف يريد نوع " دولته ونظامه "، بعد سنوات طويلة من "تجاهل رغباته"، فمن يملك " الدّليل القاطع والبرهان اليقين" على أنّ هذا الشّعب، يريد دولة خلافة وليس دولة ملكيّة، أو دولة جمهورية أو إمارة أفريقيّة ( على وزن إمارة خليجيّة )، أو ربّما إمبراطورية ؟؟ .
إذاً البداية الصّحيحة – فيما أعتقد – هي في " استفتاء " هذا الشّعب الذي طال أمد " تغييبه " ومصادرة حقّه الذي كفلته له كلّ النّواميس والأعراف والقوانين بكل أصنافها ومصادرها وألوانها، حقّه في " تقرير مصيره " حول " نظام وشكل دولته القادمة "، فهو وحده فقط له الحقّ في تقرير ذلك...
بعد ذلك.... تجرى الانتخابات لاختيار " هيئة تأسيسيّة " لصياغة الدّستور الذي يجسّد " اختيار الشّعب" ويعبّر عن " إرادته ".. ثم بعد ذلك افتحوا باب " الصّراع " السّياسي على مصرعيه... ليحكم الشّعب من خلال " البرامج " من يسعى فعلاً من أجل " حقوقه " !!.