
أثارني حديث مستغرب دار بين مسئولين حول أحدى الشخصيات التي عاشت في أمريكا وتحصلت على جنسيتها ورجعت لتشارك الليبيين في إدارة ليبيا الجديدة..قبل أن أسرد ما دار من حديث في الشأن، اسمحوا لي بعرض بعض التعريفات التي لها علاقة بالموضوع والتي كنت قد جمعتها من بعض المواقع الإلكترونية لمعرفة مزيد من المفاهيم ولأعطي للقارئ فرصة الإضافة والتقييم والمقارنة.
التجسس هو"أحد الأنواع والسبل الملتوية في الحروب الحديثة والقديمة إضافة إلى أنه يمثل تربصا-وخطرا داهما- لكلا طرفي الحرب". والجاسوس هو "الشخص الذي يعمل في الخفاء أو تحت شعار كاذب ليحصل على معلومات عن العمليات العسكرية لدولة محاربة بهدف إيصالها للعدو. وطبقا لهذا فإن الجواسيس "يعملون في وقت الحرب والسلم ويحصلون على معلومات لتعزيز جبهة الدولة التي يتجسسون لحسابها، وفي حالة نشوب حرب جديدة في الحصول على معلومات عن تطور الأسلحة الحربية في الدول الأخرى وما وصلت إليه من تكنولوجيا حديثة، ومن أجل تقوية الصراع القائم بين الدول على القواعد الإستراتيجية والسيطرة على مناطق النفوذ، والاستفادة من الاضطرابات السياسية عن طريق دس الفتن والمؤامرات السياسية لخدمة مصالحها السياسية والاستراتيجية".
أما المخابرات فقد كان يطلق عليها قديماً المستطلعون أو الجنود المستكشفون أو قناصة الاستطلاع، ومهمتهم جمع الأخبار أو المعلومات عن جيش الأعداء وعدته وأماكن تجمعه وتحركه ويمنحه القانون الدولي حصانة.
نرجع للحديث الذي دار بين المسؤلين. حيث قال أحدهما للآخر ما رأيك في فلان للمنصب الفلاني، فرد عليه قائلا: الرجل خبير ويجيد عدة لغات وله تاريخ نضالي ومناسب جدا ولكن عيبه إنه كان في أمريكا لفترة طويلة وربما يكون قد جند جاسوسا للأمريكان. قال الآخر يعني كل من كان في الغرب هو جاسوس ويعمل لصالح تلك الدول، وغير مسموح له بممارسة العمل في المواقع القيادية للدولة؟ فقال له هكذا الجماعة يعتقدون! فطرح الرجل سؤالا محرجا باعتباره هو الآخر عاش في أمريكا معارضا لفترة طويلة وجاء في بداية الثورة، قائلا: ما رأيك في الذين طلبوا من القوات الأجنبية "النيتو" التدخل تحت حجة حماية المدنيين لاستباحة الأراضي الليبية وتدمير قواتنا العسكرية والبنية التحتية وتدريب جيوشهم عمليا على أرضنا، ومكنوا الغرب بجواسيسهم ومخابراتهم لتجوب ليبيا شرقا وغربا دون حسيب أو رقيب..هل هم في نظرك جواسيس أم أنهم غير ذلك؟!! انتهى ما يهمنا من الحوار.
هذا الحديث مطروح للقراء ليحللوا ويقيّموا ما جاء فيه في إطار حقيقة أن ليبيا لكل الليبيين. أما من وجهة نظري المتواضعة فإن الذين هاجروا أو عاشوا خارج ليبيا خلال فترة حكم الطاغية هم ليسوا جواسيس أو موالين للبلدان التي عاشوا فيها ضد وطنهم الأصلي ليبيا وبالتالي لا ينبغي وصفهم بتلك النعوت المشينة لأن لهم مبرراتهم في ذلك، والذين كانوا سببا في دخول حلف النيتو لليبيا هم كذلك لا يجب أن يصنفوا بأنهم خونة أو فرطوا في ليبيا لأنهم كانوا مضطرين لذلك لاعتبارات كانت مشروعة في تلك اللحظات الصعبة، وأن وضعهم النفسي والمعنوي لم يكن ليسمح لهم بالتفكير ودراسة عواقب ذلك التدخل.
الذي يحدث الآن من تصنيف واتهامات وتخوين لبعض الشخصيات سواء الذين عملوا في مؤسسات وإدارات الدولة في عهد النظام السابق وكانت مواقفهم سلبية، أو الذين عاشوا في الخارج يمثلون الدولة أو معارضين أو حتى الذين أقاموا بشكل طبيعي، هؤلاء جميعا من المغالطة أن نتهمهم بالخيانة أو الجاسوسية لمجرد أنهم عاشوا واكتسبوا جنسية تلك الدول، وإن التقييم السلبي وحملات التشويه والإقصاء والإبعاد التي تحاك بشكل ملفت للانتباه هذه الأيام قد تكون أسبابها أغراضا وأهدافا شخصية أو لتصفية حسابات قديمة، ومن غير المستبعد أن تكون تلك التصرفات في إطار إبعاد الوطنيين والعقول النيرة من المشاركة في بناء ليبيا تنفيذا لمخططات وأجندات خارجية إقليمية أو دولية!!
الاتهام بالخيانة والتجسس ومحاولة الإبعاد وتناولها في وقت كهذا قد يكون لها تأثير سلبي على المجتمع وإدارة الدولة بشكل عام وما تعانيه من أزمات على الصعيد التنظيمي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، وستؤثر تأثيرا مباشرا على مبدأ التسامح الذي نطمح إليه، وتؤدي إلى تعميق الكره والضغينة بين الأخوة الذين كانوا في وقت قريب يدا واحدة. فنحن نطمح لأن نبني دولة موحدة تقيم الحق والعدل والمساواة بين أفرادها، أما تلك القضايا وما يدور حولها من جدل وما يقدم حولها من تصورات فينبغي أن نتركها للمرحلة القادمة لأنها ستكون مثار حوار وتساؤل وستقام في شأنها الندوات والدراسات والبحوث وسوف تؤلف عنها العديد من الكتب، لما سينجم عنها من دروس وعبر شريطة مراجعتها وتقييمها بعد استقرار الأوضاع وعندما تنتهي مظاهر الفوضى والخوف والكره والمزايدة...