
انها فترة ليست بالقصيرة، تلك التي تاه فيها شعب بأكمله نتيجة للسياسات الممنهجة، التي اتبعها النظام السابق، حتى اضحى السلوك الطبيعي لدى باقي الشعوب نشازا في بلادنا. اجيال واجيال تترا، مارست الجهل والتخلف في اسواء صوره، وتجسدت فيهم الانانية المقيتة، فتحول الجميع الى طغاة تتدرج مراتبهم، مارسوا طغيانهم في البيت والشارع ومكان العمل وفي المرابيع ايضا. هل كان ذلك السلوك هو محاولة يائسة لنسيان مأساة التيه المريرة التي عاشها هذا الجيل بأكمله؟ وكما يقول الكاتب البولندي "اندروجويسكي" في روايته ابواب الجنة: " ان الانسان يظل متمسك عبثا بالظواهر التي قد تبدو له حاملة للخلاص، وبالتالي فأن هذا الانسان لا يمكنه ان ينسى مأساته المزمنة الا في ممارسة العنف الذي يرتدي مسوح الوهم، العنف الاسود كما الكراهية والحقد".
ظهر ذلك جليا في ممارسات كتائب الطاغية اللااخلاقية ضد الافراد المدنيين، الذين كانوا يتعايشون معهم في نفس المجتمع ونفس واقع التيه، الذي تحدثنا عن بعض تفاصيله في مقال سابق بعنوان "سني التيه الليبية والضحك على الذقون". وقياسا على مختلف العلوم التي تعنى بدراسة سلوك الافراد والجماعات مثل علم الاجتماع وعلم النفس والاخلاق؛ فأننا نجد انفسنا امام معضلة اخلاقية، تجذرت في العقل الباطن عند جيل التيه على الاغلب، الا من رحم ربي، حيث اصبح الفرد بلاهوية وفقد الشعور بذاته.
والان وبعد قيام الثورة المباركة، والتي من غير شك كان للعناية الآلهية اليد الطولى في انطلاق شرارتها، واستمرار دفق توهجها، رغم التحديات والعقبات التي صاحبت مسيرتها، وذلك حتى يكف البعض عن ترديد مقولة انهم هم من حرر البلاد من الطاغية، فقد جاءفيادبياتالثورةالفرنسيةانه"وقتالثورةلمتنتفضباريسوحدهابلانتقضتالبلادبأسرها،وبالتاليلايحقلطبقةخاصةمنالمواطنيينانتدّعياحتكارانقاذالوطن". وبعد، فالسؤال هو هل استفاق التائهون من تيههم واستشعروا تحديات المرحلة الآنية وما سوف يعقبها من تحديات مستقبلية؟
الاجابة عن هذا التساؤل بالتاكيد ليست من السهولة بمكان، ليس فقط لضبابية الواقع السياسي والاجتماعي الذي تشكل ولازال يتشكل عقب اعلان التحرير، وانما ايضا للمحاولات المتكررة من قبل الكثير ممن استمرَؤا حياة التيه وثقافتها المجنونة، تجسيد ما ألِفوه من مساوئ تلك الثقافة وممارستها في الواقع، الذي يفترض ان يكون مغايرا لما كان سائدافي السابق.
ان المتتبع بتبصّر لواقع الحال، يدرك بجلاء ان ترسبات سني التيه التي كانت مكبوتة لدى فئة واسعة من الناس، اصبحت تتبدى للعيان وتخرج من اللاشعور الى العلن، على هيئة مظاهر سلوكية لم يتأتى لهم ممارستها سابقا لعدة اسباب يضيق المجال لحصرها. كانوا ينظرون الى الوطن كسلعة، ولا زالوا. انها نظرة للوطن محدودة وضيقة على اتساع جيوبهم، لا تنبع الا من ذوات انغلقت على نفسها وترسخت في مفاهيمها ثقافة الاستيلاء والنهب والاستحواذ، حتى وصل الامر بالبعض الى ان يدعي لنفسه شرف تحرير الوطن، وبالتالي فأنه يحق له ما لا يحق لغيره من نفوذ وسلطة وثروة، وهي ببساطة احدى مفاهيم ثقافة التيه، التي نتحدث عنها والتي طالما طبل لها المطبلون خلال عقود تيههم، ونسوا او تناسوا انه" ليس الوطن كلمة اقتضت المخيلة ان تضفي عليها نوعا من الجمال. انه كائن قُدِمت على مذبحه الضحايا وبه يزداد التعلق كل يوم بسبب التضحيات التي يتطلبها،وقد نشاء بجهود كبيرة وارتفع وسط القلاقل،وهو محبوب بمقدار ما كلف غاليا وبمقدار ما يؤمل منه" وهي مقالة لآحد قادة الثورة الفرنسية في معرض رده عن مقولة لويس السادس عشر " انا الدولة ".
هذا ناهيك عن ما بات يعرف في ادبيات الثورة " بثوار ما بعد الثورة " وما اكثرهم، وهم في ذلك يطبقون قول القائل: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وهذه ايضا لا تعدوا ان تكون تجسيد لثقافة التيه المتمثلة في تدارك ما تطاله ايديهم من سلعة الوطن، حيث انهم لم يرضوا من الغنيمة بالاياب كما يقال حتى ان المعالجين الان في الخارج، من حالات العقم وحالات التجميل وخلع ضرس العقل، اصبحوا اضعاف عدد جرحى الثورة، الذين يفترض ان تكون الاولوية لهم، حاليا على الاقل، حتى وصلت الحال الى المتاجرة بعلاج الجرحى، والى قبض العمولات المجزية على رأس الجريح الواحد،فهل ياترى بعد هذا التيه تيه..!
وبعد، فهل ان الحل هو ان نمضي حقبا من الوقت الضائع، حتى نتخلص من تلك الثقافة الهزيلة التي انهكت الوطن والمواطن؟ او اننا في حاجة ملحة الى فترة من التيه اضافية، يضمحل خلالها جيل التيه وينشاء جيل أخر، لا يحمل تلك البذرة الفاسدة التي لا تثمر، فترتد للوطن قيمته، وتستعيد الذوات اصالتها بعد لآئ.
اللافت للنظر في هذا المجال انه حينما نقدم وجهة نظر كهذه، تنتقد الواقع بما فيه من سلبيات، نجد ان هنالك بعض الالسن، التي تنبري،فتتبادرنا بما لا يليق بأصحابها، قبل ان يكون لها اي تأثير علينا. هل ذلك راجع ايضا الى التأثير الخفي لثقافة التيه، التي ما انفك رُعاتها يلجُمون الافواه ويُكسرون الاقلام، سعيا الى اطالة فترة تيههم الى اقصى حد، ويحاولون جر غيرهم الى أتون تلك المتاهة التي لا يبدوا ان اوان انتهائها قد ازف بعد..!
د. ابومالك العلاقي
03 02 2012
Abomalek.allagi@yahoo.com