
إن العارف بطبيعة الأمور والأحوال فى ليبيا وما خلفته حقبة الطاغوت من ثقافة تأصلت فى النفوس وحكمت التفكير والسلوك ما أضعف الولاء والانتماء فى الوجدان ناهيك عن الخراب والدمار لهيكلية الدولة ومؤسساتها وعقم انجازاتها وفق منهجية محكمة منقطعة النظير حتى صار الفساد يمشي على مهل يتمخطر دون حياء ففسدت الدمم وزهقت الههمم وقتل الخلق والابداع وأهدر المال بسخاء ما دفع الشباب للثورة ضد الطاغوت العتيد. ورد العقيد الطريد والصقر الوحيد بالوعد والوعيد أن يمحق البلاد ويبيد العباد. وانتصر الشباب وقتل العقيد الطريد بعد أن ترك مآسي ما تنوء الجبال بحملها وما تبغي صبر أيوب وحكمة بالغة وعقل رشيد لتحيا البلاد والعباد لحظة حرية وتبدأ بناء ليبيا من جديد. ولكن أخطأ الحكماء فى تقدير الأمور وكل بنى آدم خطاء وخيرهم التواب المنيب فاصدروا الاعلان الدستوري وهم فى عجلة من أمرهم وقد يكون لهم العذر آنذاك وهم يبحثون عن شرعية لنزع شرعية الطاغوت ويريدون دعما دوليا وتضامنا لتسير الأمور وفق الأصول. ولكن اليوم تغير الحال وظهرت واضحة جلية الأوضاع والأمور وكأننا فى المهد نحبو ولكننا نريد أن نطير ونبني دولة سامقة على أنقاض الهشيم. وعلى الرغم من المشاكل والمصاعب والعوائق فالبعض مصر على المضي فى المسير قدما نحو مجهول أكبر وخطر داهم ولا يعرف كيف ستئول إليه الأمور فالمهم عند هؤلاء الوصول مهما كان هول هذا المجهول. لذلك رددت القول ونصحت أصحاب العقول بالتريث والصبر ولا يتسارعوا ولا يستعجلوا الأمور فالزمن طويل ومستقبل بلد لا يبنى فى ساعات ودقائق ولا تملكون فانوس علاءالدين ولا خاتم سليمان ولا عصا موسى وهدي نبيكم وسيرة رسولكم خير هدى لكم وخير دليل فهو أسس لدولة فى بضع سنين؟ أنتم فى حاجة للملمة صفوفكم وتنظيمها وشحذها وتوزيع المسئوليات لتبدأ مرحلة البناء والتعمير. فأنصحكم أن يكون موعدكم مع بدء رحلة البناء بعد أن تنجز حكومة الدكتور عبدالرحيم الكيب ما يلي وتمهد لكم الطريق:
◄ استرجاع كامل الأرصدة وحصرها بحيث يمكن للحكومة التصرف فيها.
◄ توفير السيولة النقدية للسوق الليبي.
◄ عودة المصارف لعملها الطبيعي.
◄ عودة الحياة التجارية والاقتصادية الداخلية والخارجية بكامل عافيتها.
◄ عودة النشاط النفطي والبدء فى عمليات الاستكشاف بما فيها عودة الشركات الخدمية النفطية.
◄ عودة الأمن والآمان والاستقرار لكافة ربوع ليبيا.
◄ استكمال وزارة الدفاع من تأسيس الجيش الوطني بكامل كوادره وتوفير مستلزماته.
◄ استكمال وزارة الداخلية كافة كوادرها وعناصرها وتمام هيكلتها وأجهزتها لمباشرة أعمالها بكفاءة.
◄ انتهاء وزارة العدل من استكمال ما هو منوط بها من محاكم وقضاة ووكلاء نيابة وأجهزة ومقرات وما شابه.
◄ انتهاء وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة من مرحلة تأهيل محطات وشبكات الكهرباء على كامل التراب الليبي.
◄ انتهاء كل وزارة من تنظيم صفوفها وتحديث استراتيجيتها واولوياتها وبناء كوادرها واستكمال هيكليتها لتبدأ انطلاقتها بفعالية.
◄ أن تنتهي وزارتي التعليم من تمام بنيانها وتنظيم وإعادة هيكلة جامعاتها ومعاهدها وتوفير مستلزماتها واحتياجاتها لتبدأ منها اشراقة المستقبل.
◄ أن تنتهي حكومة الدكتور عبدالرحيم الكيب من حل قضايا النازحين وفض النزاعات الجهوية وكذلك الجرحى والمفقودين وتأهيلهم والعناية باليتامى والأرامل ويعود التآلف والانسجام للمجتمع الليبي بكامله ويصير قبيلة واحدة كما تدعون وتهتفون.
◄ الانتهاء من وضع القوانين والتشريعات وتهيئة الأجواء والظروف لمرحلة الانتخابات القادمة وضمان نجاحها.
عندئذ فقط تبدأ الدولة فى أولى خطواتها على أرض صلبة وتصير قادرة على المشي والانطلاق والطيران لأنها ملكت كافة الأدوات وعادت الحياة لطبيعتها وعاد الناس لهدوئهم واستقرارهم وراحة بالهم ويكونوا على استعداد تام لخوض غمار المرحلة الثالثة من الثورة وهي التى تحدد المسار وترسم الطريق وتضع حجر الأساس واللبنة الأولى لبناء دولة ليبيا المستقبل. ولتأخذ حكومة الدكتور الكيب وقتها دون إفراط أوتفريط ونحن نعلم علم اليقين أن الحمل ثقيل والمشاكل جسيمة والعقبات عظيمة والطريق وعرة والأمر كل يوم فى شأن. فكيف لعاقل ورجل رشيد أن يدخل المرحلة الثالثة والبحر تتلاطمه الأمواج كالطود العظيم ويخوض بحرا لجي عميق والمجتمع لم تنتظم أموره والبلد لم تسترد عافيتها لتبدأ مرحلة من النشاط وهي منهكة مجهدة اجتماعيا وصحيا ونفسيا واقتصاديا وأمنيا وهي لا زالت مقصوفة الأجنحة وتتنفس بربع رئة. إن الذى يصر على فترات الاعلان الدستوري الغاشم والقاصر إنما هو لا يرضى أن يرى الوطن معافيا ويسير بخطى واثقة ويبني مستقبله على تؤدة وعلى أسس متينة. هو لا يرى إلا نفسه ومصالحه ومصالح من معه ولا يرى مصلحة الشعب الليبي بكامله إلا من خلال أنانيته وقصر نظره. وأنا أجزم بأن عاقبة أمركم هو الوبال والخسران المبين وقرارتكم ستكون فى تباب والضلال المبين. فلا تسيروا وراء سراب يصفه لكم المتشدقون والغوغائيون والمتنطعون والأنانيون والجهلة والإعلاميون القصر الذين يبيعونكم الأحلام الوردية والعسل المخلوط بالسم الزعاف. فهؤلاء قوم يستعجلون الأمر لغاية فى نفس يعقوب والكثير يغني على ليلاه والقليل يغني على الوطن. واستغرب أين حكماء البلد وعقلائها ومناضلوها وثوارها وشبابها وسياسوها ومثقفوها واعلاميوها؟ أليس من هؤلاء رجل حكيم ورجل رشيد يقرأ عواقب الأمور أم هم كإبل مائة لا تجد فيها راحلة.
والله لا أقول لكم إلا الحق أنكم ستخربون بيوتكم وتهدمون بلدكم بأيديكم إذا سلكتم طريق الاعلان الدستوري فى توقيتاته والثقافة والحكمة الأمريكية تقول "خذ الوقت اللازم لتصل إلى قرار صحيح وليس المهم اتخاذ قرار ويكون خاطئا فى وقت قصير". وكم أتمنى على الشباب والمثقفين والسياسين وكذلك الشيوخ والعلماء أن يقرءوا نهج محمد رسول الله فى بناء الدولة وتكوين مؤسساتها وتأسيس مجتمع فاضل عامل بفعالية. محمد كان علمانيا وليبراليا وديمقراطيا وبرجماتيا حاميا للحريات مؤسس أخلاق ومنشئ أفراد وجماعات ومكون قيادات وكفاءات ومفتق قدرات وابداعات. اقرءوا السيرة بوعي ولا تسمعوا لقراءة الشيوخ والعلماء المرتزقة فهم لا يستوعبون السيرة ولا منهجها. اقرءوا سيرة محمد فى بناء الدولة ففيها الطريق والسبيل الذى معه لا نضيع. اقرءوا بوعي ما صح عنه فى أمور الدولة فقط. إنه مؤسس منهج محكم متكامل لمسيرة مجتمع بكامله لايضيع فيه حق فرد ولا يضيع فيه حق جماعة، مسيرة فيها التوازن فى كل شيء ومع كل شيء. لماذا نستشهد بالثورة الفرنسية؟ سيرة محمد لا تنتهي بحفظ الحديث ولكن تبدأ بمرحلة وعي الحديث يا مشايخ ويا علماء ويا مثقفين ويا سياسيين الأعداء والأصحاب وما من شيء يستجد فى عالم الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثورة إلا ولمحمد القول الفصل. وإنك لتعجب لقوله [نضَّر الله امرأً سمع مقالتى فوعاها وحفظها وبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه]، [فربَّ سامع أوعى من مبلغٍ]. أنا لست إخوانيا ولا سلفيا ولا وهابيا ولا جهاديا ولاسنيا ولا شيعيا ولامالكيا ولا شافعيا ولا حنبليا ولا حنفيا ولكن حنيفا مسلما كما أسمانا ابراهيم الخليل ولله الحمد والمنة. ولا يرفع من شأن محمد أن يقول من لا يؤمنون به (لو كان محمد حيا لحل مشاكل العالم وهو يشرب فنجان قهوة) ولا يفرح بهذا القول إلا الجاهل أو الذى لا يعرف محمدا.
فهل يستمع لقولنا ويستجيب لنصيحتنا الفاضل المستشار مصطفى عبد الجليل وصحبه أعضاء المجلس الوطني الانتقالي الميامين سواء الحاضرين منهم أم القادمين ويعود الجميع لرشده ويقلبوا الأمر ذات الشمال وذات اليمين، ظاهرا وباطنا ويدرسوا ويتشاوروا مع حكومة الدكتور الكيب وهل تشارك الجماهير وتطالب بما ننصح أم وتبقى على صمتها وغيابها عن ساحة القول والفعل؟ ونقول إن الأمر بيد رب العالمين فأدعوه أن يلهم الصواب كل ذى عقل سليم ورشيد وحكيم والسلام عليكم من رب عزيز حكيم.
مختار الطاهر الغول
طرابلس- ليبيا
2012/1/26
ملحوظة: يعلق البعض الغيارى على أنني لا أصلي على محمد عند كتابة الإسم ولم أضع بين قوسين (ص) أو (صلعم). فأقول دون تعليق على الملاحظة أو هذه الرموز أو الطلاسم السخيفة التى لا معنى لها أنني قد حصلت على الأجرقبل أن أكتب الإسم وأثناءه وبعده ولم أكن بخيلا ولا حاجة لي بالتذكير فمحمد حاضر عقلا وقلبا وفعلا ونبضا وحسا ورأيا وفكرا واعتقادا. ألم يفطن هؤلاء أنني أكتب الاسم باللون الأحمر ومميز لتنبيه القارئ حتى يقوم بواجبه ولا يكون بخيلا. أما الرموز فهي لا معنى لها عندى واللبيب بالاشارة يفهم. ولا علاقة لهذا بمسألة الايمان والاحترام والتقدير ويكفيه أن الله وملائكته يقومون بالصلاة فى كل وقت وفى كل حين ومن أحبه فليقل ما يجب قوله عند ذكر اسمه واقرأ الحديث ودقق ما الداعي لفعل المبني للمجهول (أُذُكرعنده أو ذُكرت عنده و ذُكرتأ) فى الحديث. ألم أقل أن الوعي هو الأساس وأن حسن الظن بالناس هو المطلوب وهو الأهم. أنا أكتب فى قضايا الوطن للواجب الذى سيحاسبني عليه رب العزة منذ خمسين عاما أي قبل أن يولد بعضكم وألقيت المحاضرات ونظمت ادوات والحلقلت العلمية ووقفت للطاغوت وجها لوجه مرارا ومواقفى وكتاباتي عن قناعة ووعي بواجبى نحو أهلي ووطنى وليست للسمعة والكبر والعجبلم أقل أن الوعي ولا رياء ولاطمعا وكفى بالله شهيدا وكفى بالله حسيبا. وما العيب فيمن بدأ الكتابة حديثا؟ أليس هذا حقه ومن واجبه فلماذا الحجر عليه؟ وأنصح البعض بالاهتمام بجوهر الموضوع والقضية المطروحة وليستر نفسه ولا يعلن عن تفاهته وجهله. فالوطن فى حاجة للكلمة البناءة من جميع أبنائه مهما صغرت هذه الكلمة.