
خلال أكثر من أربعين عاماً مضت لم تكن فى ليبيا صحافة على الإطلاق ... كانت الصحافة وسيلة لتوصيل أفكار الحكومة عى رأي «أدلوف هتلر» ... وكان المقبور يدّعي دائماً إنه ليس حاكماً .. بما يعني مباشرة بأنه ليس هناك حكومة ...
وبالتالي ليس هناك صحافة ، فإذا كانت.. فهي الوسيلة الغوغائية لنشر غسيل الوضع البائد، وجوقة من الطبول الفارغة تنتزع الأسماع بالإكراه ، ما أوجب القطيعة بحيث أن ماكان يسمى صحافة فى وادٍ ... والقارئ فى آخر ...
هذه التركة الثقيلة.. اقتضت من ثورة فبراير تأسيس هيئة للصحافة تحمل اسماً مغايراً أطلقت عليها هيئة دعم وتشجيع الصحافة ...
وهذا يعني حصر اختصاصات الهيئة فى هذه الأغراض وهي الدعم والتشجيع...
السادة فى هيئة الصحافة لم يتفهّموا فلسفة إنشاء هذه الهيئة وأهدافها بما غيّب الصحافة فى مرحلة ذات خطورة وحساسية خاصة ...
وعاد القارئ والمتابع يبحث عن الصحافة فلا يجدها
ويبحث عن الفكرة والرأي والدعوة الصادقة الحرّة والجريئة والفاعلة والبانية فلا يعثر لها عن أثر فإذا كانت فهي في صحافة القطاع الخاص وهذه ليست للهيئة فضل عليها ولا منّة ...
ومن أصل صحيفتين تصدرهما الهيئة .. أو تصدران عنها، نجد الهيئة الموقّرة تنسى شخصيتها ووضعها وتعلن عن نفسها بصوت عالٍ ...
صحيفة «البلاد» لاتورد ايراد الاعلانات للهيئة ...
الهيئة جعلت من هذه الواقعة محوراً أساسياً حتى أن الواحد منّا بدأ يتساءل ... هل هي هيئة دعم .. أم هي هيئة جباية ؟...
الموضوع نشر أكثر من مرة ... وتحت تسمية (حق الرد)..وليت الهيئة سكتت .. بل هي توضّح للقارئ فى هذا الحق الذي نشر على صفحات «البلاد» ثم أعيد ونشر على صفحات «فبراير» وكأنه صميم عمل الهيئة الموقرة عن نيتها فى السيطرة على الصحيفة وإخضاعها وإحكام قبضتها عليها ... ولم يبق سوى تغير اسم الهيئة إلى هيئة الوصايا على الصحافة ...
وحيث إن صحيفة «البلاد» هي إحدى الصحف التابعة لهيئة دعم وتشجيع الصحافة... وتبعية مباشرة ...
وقد قامت الهيئة بدفع قيمة إيجار المقر الخاص بالصحيفة.. وتحملت جميع الأجهزة والمعدّات ووسائل المواصلات والاتصالات وتكاليف الطباعة والمرتبات والمكافآت ...
السؤال الذى يفرض نفسه هنا ... مادامت الصحيفة تابعة .... وتبعية مباشرة .....فإن هذا يعني أولا ... نفي الدعم والتشجيع لأن الهيئة ملزمة بموجب التبعية بدفع القائمة من المصروفات المعلن عنها وكأنها تحولت إلى موقع الدفاع عن النفس.
والأمر فى غاية المنطقية لو كانت التجهيزات أصلاً كافية لإصدار صحيفة لهم إلا أن تكون صحيفة «بعلية» وهذا النوع من الصحافة مثلها مثل الزراعة البعلية في الهوامش الصحرية !!
لماذا لم تعدد الهيئة والتفاصيل ما هي التجهيزات ... وحجمها وكفايتها ...؟...
أما التنصيص القانونى الذي وردته الهيئة فى حق الرد فلا نراه إلا واقعاً فى دائرة المتشابهات أمام أهل النفوس الضعيفة ممن يقاربون الفتاوى ...
جاء فى الرد «ويشير القرار فى مادته الثالثة أي قرار إنشاء هيئة دعم الصحافة إنه على هيئة إعادة تسيير العمل بمقار الصحافة وإعداد تجهيزات لإطلاق عدد من الصحف الوطنية لمزاولة نشاطها» ..
ولا بأس فى هذا ...
أما أن يتدخل التفسير القانوني لهذا النص كما جاء فى الرد «ولذا من المهم الإشارة إلى أن الأموال المحصّلة من قيمة الإعلانات وطباعة الصحف وتوزيعها ... تعتبر إيرادات سيادية بحيث تحال لبند المرتبات والمهايا» ...
والإشارة هنا ... ليست إشارة لأنه لامصدر لها ولا سند خاصة وهى مسبوقة ببيان الأهمية ...
فإن كان المزاج دون القواعد والأصول هو ما استدعى هذه الإشارة ... فإننا نُلفت نظر السادة فى الهيئة إلى أن القارئ صار أكثر إدراكاً كنتيجة مباشرة لمساحة الحرية التى انتزعها الليبيون بعون الله تعالى وتضحياتهم التى شهد بها العالم ...
هذه ثمار الحرية التى فرضت مبادئ أخرى لم تكن أحلاماً طائفة وإنما أحلاماً تحققت ...
صحافة فبراير مثلها مثل ثورة فبراير واضحة لاغموض فيها ولا ظلال...واحترام الكلمة يستدعي بالضرورة مثل هذا الوضوح والتجلّي ... وتطويع اللوائح والنصوص القانونية ولّى مع زمن الفوضى هاتوا لنا نصاً واحداً يوجب هذه الإشارة التى جعلتم منها ضمنية .. وكأنها من المسلّمات ...
النص القانوني واضح ... وتحميله ما ليس منه أكثر وضوحاً فإذا كانت كذلك ... أو وجدتم لهذا حلاً .. فأين هو التشجيع والدعم .. وكيف هو برأيكم وأنتم على رأس الهيئة المكلفة بالتشجيع والدعم ...
تجهيزات صحيفة «البلاد» ناقصة حتى الفداحة ..وما كان ضر الهيئة السكوت عن هذا الإلحاح والمطالبة صياغة شرعيته خارج النصوص القانونية وما كان ضر الهيئة لو وفّرت وفق المتاح لها من الإمكانات ولا ضرورة هنا للسؤال ... أين ذهبت الـ.....؟
قد لا يكون هذا السؤال من اختصاصنا .... أما النقطة التى لم نجد لها تفسيراً فهي:
إن صحيفة «البلاد» صدرت قبل إنشاء هيئة الصحافة في مدينة بنغازي .. فكيف تتم المواءمة بين تاريخ صدور العدد الأول من «البلاد» 2011.7.15 وتاريخ تشكيل لجنة الهيئة الصادر في 2011.9.13.